المقريزي

76

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

على أمير المؤمنين عليّ المرتضى ، اللهمّ وسلّم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين ، اللهمّ اجعل أفضل سلامك على عبدك وخليفتك ، ومنع من ضرب الطبول والأبواق حول القصر ، فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق ، وكثرت إنعامات الحاكم فتوقف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان في إمضائها ، فكتب إليه الحاكم بخطه بعد البسملة ، الحمد للّه كما هو أهله : أصبحت لا أرجو ولا أتقي * إلّا إلهي وله الفضل جدّي نبيّ وإمامي أبي * وديني الإخلاص والعدل المال مال اللّه عز وجلّ ، والخلق عباد اللّه ، ونحن أمناؤه في الأرض ، أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها والسلام وركب الحاكم يوم عيد الفطر إلى المصلي بغير زينة ولا جنائب ولا أبهة ، سوى عشرة أفراس تقاد بسروج ولجم محلاة بفضة بيضاء خفيفة ، وبنود ساذجة ومظلة بيضاء بغير ذهب عليه بياض ، بغير طرز ولا ذهب ولا جوهر في عمامته ، ولم يفرش المنبر ، ومنع الناس من سبّ السلف ، وضرب في ذلك وشهر وصلّى صلاة عيد النحر كما صلّى صلاة عيد الفطر من غير أبهة ، ونحر عنه عبد الرحمن بن الياس بن أحمد بن المهديّ ، وأكثر الحاكم من الركوب إلى الصحراء بحذاء في رجله وفوطة على رأيه . وفي سنة أربع وأربعمائة ألزم اليهود أن يكون في أعناقهم جرس إذا دخلوا الحمام ، وأن يكون في أعناق النصارى صلبان ، ومنع الناس من الكلام في النجوم ، وأقيم المنجمون من الطرقات وطلبوا فتغيبوا ونفوا ، وكثرت هبات الحاكم وصدقاته وعتقه ، وأمر اليهود والنصارى بالخروج من مصر إلى بلاد الروم وغيرها ، وأقيم عبد الرحيم بن الياس وليّ العهد ، وأمر أن يقال في السلام عليه ، السلام على ابن عمّ أمير المؤمنين ، ووليّ عهد المسلمين وصار يجلس بمكان في القصر ، وصار الحاكم يركب بدراعة صوف بيضاء ، ويتعمم بفوطة . وفي رجله خذاء عربيّ بقبالين ، وعبد الرحيم يتولى النظر في أمور الدولة كلها ، وأفرط الحاكم في العطاء وردّ ما كان أخذ من الضياع والأملاك إلى أربابها ، وفي ربيع الآخر أمر بقطع يدي أبي القاسم الجرجانيّ ، وكان يكتب للقائد غين ، ثم قطع يد غين فصار مقطوع اليدين ، وبعث إليه الحاكم بعد قطع يديه بألف من الذهب والثياب ، ثم بعد ذلك أمر بقطع لسانه ، فقطع . وأبطل عدّة مكوس ، وقتل الكلاب كلها ، وأكثر من الركوب في الليل ، ومنع النساء من المشي في الطرقات ، فلم تر امرأة في طريق البتة ، وأغلقت حماماتهنّ ، ومنع الأساكفة من على خفافهنّ ، وتعطلت حوانيتهم ، واشتدّت الإشاعة بوقوع السيف في الناس ، فتهاربوا وغلفت الأسواق ، فلم يبع شيء . ودعي لعبد الرحيم بن الياس على المنابر ، وضربت السكة باسمه بولاية العهد ، وفي سنة خمس وأربعمائة قتل مالك بن سعيد الفارقيّ ، في ربيع الآخر ، وكانت مدّة نظره في قضاء القضاة ست سنين وتسعة أشهر وعشرة