المقريزي

61

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الجامع الطيبرسيّ بشاطئ النيل ، قال : أخبرني محمد بن عمر البوصيريّ قال : حدّثنا قطب الدين محمد الهرماس ، أنه رأى بالجامع الحاكميّ حجرا ظهر من مكان قد سقط منقوش عليه هذه الأبيات الخمسة : إنّ الذي أسررت مكنون اسمه * وكتمته كيما أفوز بوصله مال له جذر تساوى في الهجا * طرفاه يضرب بعضه في مثله فيصير ذاك المال إلّا أنّه * في النصف منه تصاب أحرف كله وإذا نطقت بربعه متكلما * من بعد أوّله نطقت بكله لا نقط فيه إذا تكامل عدّه * فيصير منقوطا بجملة شكله قال وهذه الأبيات لغز في الحجر المكرّم . وقال العلامة شمس الدين محمد بن النقاش في كتاب العبر في أخبار من مضى وغبر : وفي هذه السنة ، يعني سنة إحدى وستين وسبعمائة ، صودر الهرماس وهدمت داره التي بناها أمام الجامع الحاكميّ ، وضرب ونفي هو وولده . فلما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرون من ذي القعدة استفتى السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في وقف حصة طندتا ، وهي الأرض التي كان قد سأله الهرماس أن يقفها على مصالح الجامع الحاكميّ فعين له خمسمائة وستين فدّانا من طين طندتا ، وطلب الموقعين وأمرهم أن يكتبوا صورة وقفها ويحضروه ليشهدوا عليه به ، وكان قد تقرّر من شروطه في أوقافه ما قيل أنه رواية عن أبي حنيفة رحمة اللّه تعالى عليه ، من أنّ للواقف أن يشترط في وقفه التغيير والزيادة والنقص وغير ذلك ، فأحضر الكركيّ الموقع إليه الكتاب مطويا ، فقرأ منه طرّته وخطبته وأوّله ، ثم طواه وأعاده إليه مطويا وقال : اشهدوا بما فيه دون قراءة وتأمل ، فشهدوا هم بالتفصيل الذي كتبوه وقرّروه مع الهرماس ، ولما اطلع السلطان على ذلك بعد نفي الهرماس طلب الكركيّ وسأله عن هذه الواقعة فأجاب بما قد ذكرنا واللّه أعلم بصحة ذلك . غير أن المعلوم المقرّر أن السلطان ما قصد إلّا مصالح الجامع ، نعم سأله أزدمر الخازندار ، هل وقفت حصة لطيفة على أولاد الهرماس فإنه قد ذكر ذلك ؟ فقال : نعم أنا وقفت عليهم جزأ يسيرا لم أعلم مقداره ، وأما التفصيل المذكور في كتاب الوقف فلم أتحققه ولم أطلع عليه ، فاستفتى المفتين في هذه الواقعة ، فأمّا المفتون كابن عقيل وابن السبكيّ والبلقينيّ والبسطاميّ والهنديّ وابن شيخ الجبل والبغداديّ ونحوهم ، فأجابوا ببطلان الحكم المترتب على هذه الشهادة الباطلة ، وبطلان التنفيذ ، وكان الحنفيّ حكم والبقية نفذوا ، وأما الحنفيّ فقال : إنّ الوقف إذا صدر صحيحا على الأوضاع الشرعية فإنه لا يبطل بما قاله الشاهد ، وهو جواب عن نفس الواقعة ، وأما الشافعيّ فكتب ما مضمونه : إنّ الحنفيّ إن اقتضى مذهبه بطلان ما صححه أوّلا نفذ بطلانه ، وحاصل ذلك أن القضاة أجابوا بالصحة ، والمفتين أجابوا بالبطلان . فطلب