المقريزي
415
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ومات ، في سابع عشري جمادى الآخرة ، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ، فخلا الكرسيّ بعده ثلاثة وأربعين يوما ، وقدم مرقص بن زرعة المكني بأبي الفرج بطرك اليعاقبة بمصر ، وكمل بالإسكندرية ، فأقام اثنتين وعشرين سنة وستة أشهر وخمسة وعشرين يوما ومات ، وفي أيامه انتقل مرقص بن قنبر وجماعة من القنابرة إلى رأي الملكية ، ثم عاد إلى اليعقوبية ، فقبل . ثم عاد إلى الملكية ورجع فلم يقبل ، وكان هذا البطرك له همة ومروءة . وفي أيامه كان حريق شاور الوزير لمصر ، في ثامن عشر هتور ، فاحترقت كنيسة بومرقورة ، وخلا بعده كرسيّ البطاركة سبعة وعشرين يوما ، ثم قدّم اليعاقبة يونس بن أبي غالب بطركا في يوم الأحد عاشر ذي الحجة سنة أربع وثمانين وخمسمائة ، وكمل بالإسكندرية ، فأقام ستا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما ، ومات يوم الخميس رابع عشر شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وستمائة بالمعلقة بمصر ، ودفن بالحبش ، وكان في ابتداء أمره تاجرا يتردّد إلى اليمن في البحر حتى كثر ماله ، وكان معه مال لأولاد الخباب فاتفق أنه غرق في بحر الملح ، وذهب ماله ونجا بنفسه إلى القاهرة ، وقد آيس أولاد الخباب من مالهم ، فلما لقيهم أعلمهم أن مالهم قد سلّم ، فإنه كان قد عمله في نقائر خشب مسمرة في المركب ، فصار لهم به عناية ، فلما مات مرقص بن زرعة سعى يونس هذا للقس أبي ياسر فقال له أولاد الخباب : خذ أنت البطركية ونحن نزكيك ، فوافقهم وأقيم بطركا ، فشق ذلك على أبي ياسر وهجره بعد صحبة طويلة ، وكان معه لما استقرّ في البطركية سبعة عشر ألف دينار مصرية ، أنفقها على الفقراء ، وأبطل الديارية ومنع الشرطونية ، ولم يأكل لأحد من النصارى خبزا ولا قبل من أحد هدية . فلما مات قام أبو الفتوح نشو الخليفة بن الميقاط كاتب الجيش مع السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب في ولاية القس داود بن يوحنا بن لقلق الفيوميّ ، فإنه كان خصيصا به ، فأجابه وكتب توقيعه من غير أن يعلم الملك الكامل محمد ابن السلطان ، فشق ذلك على النصارى ، وقام منهم الأسعد بن صدقة كاتب دار التفاح بمصر ومعه جماعة ، وتوجهوا سحرا ومعهم الشموع إلى تحت قلعة الجبل حيث كان سكن الملك الكامل واستغاثوا به ، ووقعوا في القس وقالوا لا يصلح ، وفي شريعتنا أنه لا يقدّم البطرك إلا باتفاق الجمهور عليه ، فبعث الملك الكامل يطيب خواطرهم ، وكان القس قد ركب بكرة ومعه الأساقفة وعالم كثير من النصارى ليقدّموه بالمعلقة بمصر ، وذلك يوم الأحد ، فركب الملك الكامل بشجو كبير من القلعة إلى أبيه بدار الوزارة من القاهرة حيث سكنه ، وأوقف ولاية القس ، فبعث السلطان في طلب الأساقفة ليتحقق الأمر منهم ، فوافقهم الرسل مع القس في الطريق فأخذوهم ، ودخل القس إلى كنيسة بوجرج التي بالحمراء وبطلت بطركيته ، وأقامت مصر بغير بطرك تسع عشرة سنة ومائة وستين يوما . ثم قدّم هذا القس بطركا في يوم الأحد تاسع عشري شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ، فأقام سبع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام ومات يوم الثلاثاء