المقريزي

407

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

بجمعة هرقل ، وتقدّم هرقل بعمارة الكنائس والديارات وأنفق فيها مالا كبيرا . وفي أيامه أقيم ادراسلون بطرك اليعاقبة بالإسكندرية ، فأقام ست سنين ومات في ثامن طوبه ، فخربت الديارات في مدّة بطركيته ، وأقيم بعده على اليعاقبة بنيامين ، فعمر الدير الذي يقال له دير أبو بشاي ، ودير سيدة أبو بشاي ، وهما في وادي هبيب ، فأقام تسعا وثلاثين سنة ، ملك الفرس منها مصر عشر سنين ، ثم قدم هرقل فقتل الفرس بمصر وأقام فيرش بطرك الإسكندرية ، وكان منانيا ، وطلب بنيامين ليقتله فلم يقدر عليه لفراره منه ، وكان هرقل مارونيا فظفر بمينا أخي بنيامين فأحرقه بالنار عداوة لليعاقبة ، وعاد إلى القسطنطينية فأظهر اللّه دين الإسلام في أيامه ، وخرج ملك مصر والشام من يد النصارى ، وصار النصارى ذمّة للمسلمين ، فكانت مدّة النصارى منذ رفع المسيح إلى أن فتحت مصر وصار النصارى من القبط ذمّة للمسلمين . . . « 1 » منها مدّة كونهم تحت أيدي الروم يقتلونهم أبرح قتل بالصلب والتحريق بالنار والرجم بالحجارة وتقطيع الأعضاء . . . « 2 » ومنها مدّة استيلائهم بتنصر الملوك . ذكر دخول النصارى من قبط مصر في طاعة المسلمين وأدائهم الجزية ، واتخاذهم ذمّة لهم ، وما كان في ذلك من الحوادث والأنباء اعلم أن أرض مصر لما دخلها المسلمون كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى ، وهم على قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم ، أحدهما أهل الدولة وكلهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الروم ، ورأيهم وديانتهم بأجمعهم ديانة الملكية ، وكانت عدّتهم تزيد على ثلاثمائة ألف روميّ . والقسم الآخر عامّة أهل مصر ، ويقال لهم القبط ، وأنسابهم مختلطة لا يكاد يتميز منهم القبطيّ من الحبشيّ من النوبيّ من الإسرائيليّ الأصل من غيره ، وكلهم يعاقبة ، فمنهم كتاب المملكة ومنهم التجار والباعة ، ومنهم الأساقفة والقسوس ونحوهم ، ومنهم أهل الفلاحة والزرع ، ومنهم أهل الخدمة والمهنة ، وبينهم وبين الملكية أهل الدولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم ، ويوجب قتل بعضهم بعضا ، ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدّا ، فإنهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها ، فلما قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين معه إلى مصر ، قاتلهم الروم حماية لملكهم ودفعا لهم عن بلادهم ، فقاتلهم المسلمون وغلبوهم على الحصن كما تقدّم ذكره ، فطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية فصالحهم عليها وأقرّهم على ما بأيديهم من الأراضي وغيرها ، وصاروا معه عونا للمسلمين على الروم ، حتى هزمهم اللّه تعالى وأخرجهم من أرض مصر ، وكتب عمرو لبنيامين بطرك اليعاقبة أمانا في سنة عشرين من الهجرة ، فسرّه ذلك وقدم على

--> ( 1 ) بياض في الأصل . ( 2 ) بياض في الأصل .