المقريزي

40

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الربيع بن سليمان ليكتبوا العلم ، مع كلّ واحد منهم ورّاق وعدّة غلمان . وبلغت النفقة على هذا الجامع في بنائه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار . ويقال أنّ أحمد بن طولون رأى في منامه كأنّ اللّه تعالى قد تجلّى ووقع نوره على المدينة التي حول الجامع ، إلّا الجامع فإنه لم يقع عليه من النور شيء ، فتألم وقال : واللّه ما بنيته إلّا للّه خالصا ، ومن المال الحلال الذي لا شبهة فيه . فقال له معبّر حاذق : هذا الجامع يبقى ويخرب كل ما حوله ، لأنّ اللّه تعالى قال : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [ الأعراف / 143 ] فكل شيء يقع عليه جلال اللّه عز وجل لا يثبت . وقد صحّ تعبير هذه الرؤيا ، فإن جميع ما حول الجامع خرب دهرا طويلا ، كما تقدّم في موضعه من هذا الكتاب ، وبقي الجامع عامرا ، ثم عادت العمارة لما حوله كما هي الآن . قال القضاعيّ رحمه اللّه ، وذكر أن السبب في بنائه ، أنّ أهل مصر شكوا إليه ضيق الجامع يوم الجمعة من جنده وسودانه ، فأمر بإنشاء المسجد الجامع بجبل يشكر بن جديلة من لخم ، فابتدأ بنيانه في سنة ثلاث وستين ومائتين ، وفرغ منه سنة خمس وستين ومائتين ، وقيل أنّ أحمد بن طولون قال : أريد أن أبنى بناء ، إن احترقت مصر بقي ، وإن غرقت بقي . فقيل له : يبنى بالجير والرماد والآجر الأحمر القويّ النار إلى السقف ، ولا يجعل فيه أساطين رخام ، فإنه لا صبر لها على النار ، فبناه هذا البناء وعمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب فيها جميع الشرابات والأدوية ، وعليها خدم وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصلاة ، وبناه على بناء جامع سامراء ، وكذلك المنارة ، وعلّق فيه سلاسل النحاس المفرغة ، والقناديل المحكمة ، وفرشه بالحصر العبدانية والسامانية . حديث الكنز : قال جامع السيرة : لما ورد على أحمد بن طولون كتاب المعتمد بما استدعاه من ردّ الخراج بمصر إليه ، وزاده المعتمد مع ما طلب الثغور الشامية ، رغب بنفسه عن المعادن ومرافقها ، فأمر بتركها ، وكتب بإسقاطها في سائر الأعمال ، ومنع المتقبلين من الفسخ على المزارعين ، وخطر الارتفاق على العمال ، وكان قبل إسقاط المرافق بمصر ، قد شاور عبد اللّه بن دسومة في ذلك ، وهو يومئذ أمين على أبي أيوب متولي الخراج . فقال : إن أمنني الأمير تكلمت بما عندي . فقال له : قد أمنك اللّه عز وجلّ . فقال : أيها الأمير ، إنّ الدنيا والآخرة ضرّتان والحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى ، والمفرّط من خلط بينهما ، فيتلف أعماله ويبطل سعيه ، وأفعال الأمير أيّده اللّه الخير وتوكله توكل الزهاد ، وليس مثله من ركب خطة لم يحكمها ، ولو كنا نثق بالنصر دائما طول العمر ، لما كان شيء عندنا آثر من التضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل ، ولكن الإنسان قصير العمر ، كثير المصائب ، مدفوع إلى الآفات ، وترك الإنسان ما قد أمكنه وصار في يده تضييع ، ولعل الذي