المقريزي
363
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
بأهاليهم إليها في عيد الخطاب ، وهو في شهر سيوان ، ويجعلون ذلك بدل حجهم إلى القدس ، وقد كان لموسى عليه السلام أنباء قد قصها اللّه تعالى في القرآن الكريم وفي التوراة ، وروى أهل الكتاب وعلماء الأخبار من المسلمين كثيرا منها ، وسأقص عليك في هذا الموضع منها ما فيه كفاية ، إذ كان ذلك من شرط هذا الكتاب . موسى بن عمران : وفي التوراة عمرام بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه وسلامه عليهم ، أمّه يوحانذ بنت لاوي ، فهي عمة عمران والد موسى ، ولد بمصر في اليوم السابع من شهر آذار سنة ثلاثين ومائة لدخول يعقوب على يوسف عليهما السلام بمصر ، وكان بنو إسرائيل منذ مات لاوي بن يعقوب في سنة أربع وتسعين لدخول يعقوب مصر في البلاء مع القبط ، وذلك أن يوسف عليه السلام لما مات في سنة ثمانين من قدوم يعقوب مصر ، كان الملك إذ ذاك بمصر دارم بن الريان ، وهو الفرعون الرابع عندهم ، وتسميه القبط دريموس ، فاستوزر بعده رجلا من الكهنة يقال له بلاطس ، فحمله على أذى الناس وخالف ما كان عليه يوسف ، وساءت سيرة الملك حتى اغتصب كلّ امرأة جميلة بمدينة منف وغيرها من النواحي ، فشق ذلك من فعله على الناس وهمّوا بخلعه من الملك ، فقام الوزير بلاطس في الوساطة بينه وبين الناس وأسقط عنهم الخراج لثلاث سنين ، وفرّق فيهم مالا حتى سكنوا ، واتفق أن رجلا من الإسرائيليين ضرب بعض سدنة الهياكل فأدماه ، وعاب دين الكهنة ، فغضب القبط وسألوا الوزير أن يخرج بني إسرائيل من مصر ، فأبى . وكان دارم الملك قد خرج إلى الصعيد ، فبعث إليه يخبره بأمر الإسرائيليّ وما كان من القبط في طلبهم إخراج بني إسرائيل من مصر ، فأرسل إليه أن لا يحدث في القوم حدثا دون موافاته ، فشغب القبط وأجمعوا على خلع الملك وإقامة غيره ، فسار إليهم الملك وكانت بينه وبينهم حروب قتل فيها خلق كثير ، ظفر فيها الملك وصلب ممن خالفه بحافتي النيل طوائف لا تحصى ، وعاد إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء وأخذ الأموال واستخدام الأشراف الوجوه من القبط ومن بني إسرائيل ، فأجمع الكلّ على ذمّه . واتفق أنه ركب في النيل فهاجت به الريح وأغرقه اللّه ومن معه ، ولم توجد جثته إلّا عند شطنوف . فأقام الوزير من بعده في الملك ابنه معاديوش ، وكان صبيا ، ويسميه بعضهم معدان ، فاستقام الأمر له وردّ النساء اللاتي اغتصبهنّ أبوه ، وهو خامس الفراعنة ، فكثر بنو إسرائيل في زمنه ولهجوا بثلب الأصنام وذمّها ، وهلك بلاطس الوزير وقام من بعده في الوزارة كاهن يقال له أملاده ، فأمر بإفراد بني إسرائيل ناحية في البلد ، بحيث لا يختلط بهم غيرهم ، فأقطعوا موضعا في قلبيّ مدينة منف ، صاروا إليه وبنوا فيه معبدا كانوا يتلون به صحف إبراهيم عليه السلام ، فخطب رجل من القبط بعض نسائهم فأبوا أن ينكحوه ، وقد كان هويها . فأكبر القبط فعلهم وصاروا إلى الوزير وشكوا من بني إسرائيل وقالوا : هؤلاء قوم