المقريزي

353

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

منهما الآخر ، وتفرّق المصريون وأخذوا في دفن قتلاهم والبكاء عليهم ، فسمع مروان البكاء فقال : ما هذه النوادب ؟ فقيل : على القتلى . قال : لا أسمع نائحة تنوح إلّا أحللت بمن هي في داره العقوبة . فسكتن عند ذلك ودفن أهل مصر قتلاهم فيما بين الخندق والمقطم ، وهي المقابر التي يسميها المصريون مقابر الشهداء ، ودفن أهل الشام قتلاهم فيما بين الخندق ومنية الأصبغ ، وكان قتلى أهل مصر ما بين الستمائة إلى السبعمائة ، وقتلى أهل الشام نحو الثلاثمائة ، ولما برز مروان من الفسطاط سائرا إلى الشام ، سمع وجبة النساء يندبن قتلاهنّ ، قال : ويحهن ما هذا ؟ قالوا : النساء على مقابرهنّ يندبن قتلاهنّ ، فعرّج عليهنّ ، فأمر بالانصراف . قالوا : كذا هنّ كلّ يوم . قال : فامنعوهنّ إلّا من سبب ، وخرج مروان من مصر إلى الشام لهلال رجب سنة خمس وستين ، وكان مقامه بالفسطاط شهرين ، واستخلف ابنه عبد العزيز على مصر ، وضم إليه بشر بن مروان ، وكان حدثا ، ثم ولي عبد الملك بشرا بعد ذلك البصرة ، قال : ثم دثر هذا الخندق إلى أيام خلع الأمين بمصر وبيعة المأمون ، وولى البلد عباد بن محمد بن حبان مولى كندة من قبل المأمون ، فكتب الأمين بمصر إلى أهل الحوفين في القيام ببيعته وقتال : عباد وأهل مصر . فتجمع أهل الحوف لذلك واستعدّوا ، وبلغ أهل مصر فأشاروا على عباد بحفر الخندق ، فحفروا خندقا من النيل إلى الجبل واحتفروا هذا الخندق العتيق ، فكان القتال عليه أياما متفرّقة إلى أن قتل الأمين وتمت بيعة المأمون ، ثم لم يحفر بعد ذلك إلى يومنا هذا . وذكر ابن زولاق أن القائد جوهرا لما اختط القاهرة وكثر الإرجاف بمسير القرامطة إلى مصر ، حفر خندق السريّ بن الحكم بباب مدينة مصر ، وعمل عليه بابا في ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة ، وحفر خندقا في وسط مقبرة مصر ، وهو الخندق الذي حفره ابن جحدم ، ابتدأ حفره من بركة الحبش حتى وصله بخندق عبد الرحمن بن جحدم ، حتى بلغ به قبر محمد بن إدريس الشافعيّ ، ثم حفر من الجبل إلى أن وصل الخندق ابن جحدم وسط المقابر ، وبدأ به يوم السبت التاسع من شوّال سنة إحدى وستين وثلاثمائة ، وفرغ منه في مدّة يسيرة . القباب السبع : هذه القباب بآخر القرافة الكبرى مما يلي مدينة مصر . قال ابن سعيد في كتاب المغرب : والقباب السبع المشهورة بظاهر الفسطاط ، هي مشاهد على سبعة من بني المغربيّ قتلهم الخليفة الحاكم بعد فرار الوزير أبي القاسم الحسين بن عليّ بن المغربيّ إلى أبي الفتوح حسن بن جعفر بمكة ، وفي ذلك يقول أبو القاسم بن المغربيّ : إذا شئت أن ترنو إلى الطّف باكيا * فدونك فانظر ، نحو أرض المقطّم تجد من رجال المغربيّ عصابة * مضمّخة الأجسام من حلل الدّم فكم تركوا محراب آي معطّل * وكم تركوا من سورة لم تختم