المقريزي

35

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

يستقبل مشرق الشتاء ، سواء إلى أن يصل إلى عيذاب ولا يزال كذلك إذا سار من عيذاب حتى ينتهي في البحر إلى جدّة ، فإذا سار من جدّة في البرّ استقبل المشرق كذلك حتى يحل بمكة ، فإذا عاد من مكة استقبل المغرب ، فاعرف من هذا أن مكة واقعة في النصف الشرقيّ من الربع الجنوبيّ بالنسبة إلى أرض مصر ، وهذا هو سمت محاريب الصحابة التي بديار مصر والإسكندرية ، وهو الذي يجب أن يكون سمت جميع محاريب إقليم مصر . برهان آخر : وهو أن من سار من مكة يريد مصر على الجادّة ، فإنه يستقبل ما بين القطب الشماليّ الذي هو الجدي ، وبين مغرب الصيف مدّة يومين ، وبعض اليوم الثالث ، وفي هذه المدّة يكون مهب النكباء التي بين الشمال والمغرب تلقاء وجهه ، ثم يستقبل بعد ذلك في مدّة ثلاثة أيام أوسط الشمال ، بحيث يبقى الجدي تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى بدر ، فإذا سار من بدر إلى المدينة النبوية صار مشرق الصيف تلقاء وجهه تارة ومشرق الاعتدال تارة إلى أن ينتهي إلى المدينة ، فإذا رجع من المدينة إلى الصفراء ، استقبل مغرب الشتاء إلى أن يعدل إلى ينبع ، فيصير تارة يسير شمالا وتارة يسير مغربا ، ويكون ينبع من مكة على حد النكباء التي بين الشمال ومغرب الصيف ، فإذا سار من ينبع استقبل ما بين الجدي ومغرب الثريا ، وهو مغرب الصيف ، وهبت النكباء تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى مدين ، فإذا سار من مدين استقبل تارة الشمال وأخرى مغرب الصيف حتى يدخل إيلة ، ومن إيلة لا يزال يستقبل مغرب الاعتدال تارة ويميل عنه إلى جهة الجنوب مع استقبال مغرب الشتاء أخرى ، إلى أن يصل إلى القاهرة ومصر ، فلو فرضنا خطا خرج من محاريب مصر الصحيحة التي وضعها الصحابة ، ومرّ على استقامة من غير ميل ولا انحراف لا تصل بالكعبة ولصق بها . واعلم أن أهل مصر والإسكندرية وبلاد الصعيد وأسفل الأرض وبرقة وإفريقية وطرابلس المغرب وصقلية والأندلس وسواحل المغرب إلى السوس الأقصى والبحر المحيط وما على سمت هذه البلاد ، يستقبلون في صلاتهم من الكعبة ما بين الركن الغربيّ إلى الميزاب ، فمن أراد أن يستقبل الكعبة في شيء من هذه البلاد فليجعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر ، وإذا طلعت على صدغه الأيسر ، ويكون الجدي على أذنه اليسرى ، ومشرق الشمس تلقاء وجهه أو ريح الشمال خلف أذنه اليسرى ، أو ريح الدبور خلف كتفه الأيمن ، أو ريح الجنوب التي تهب من ناحية الصعيد على عينه اليمنى ، فإنه حينئذ يستقبل من الكعبة سمت محاريب الصحابة الذين أمرنا اللّه باتباع سبيلهم ، ونهانا عن مخالفتهم بقوله عز وجل : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [ النساء / 155 ] ألهمنا اللّه بمنه اتباع طريقهم ، وصيرنا بكرمه من حزبهم وفريقهم إنه على كلّ شيء قدير .