المقريزي
321
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
بالمدينة ، فأرسل إليه ليوكل وكيلا ويرحل عنها ، فلما رأى الجدّ من يوسف في أمره سار حتى أتى القادسية ، وقيل الثعلبية ، فتبعه أهل الكوفة وقالوا له : نحن أربعون ألفا لم يتخلف عنك أحد ، نضرب عنك بأسيافنا ، وليس هاهنا من أهل الشام إلّا عدّة يسيرة وبعض قبائلنا يكفيهم بإذن اللّه ، وحلفوا له بالأيمان المغلظة ، فجعل يقول : إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدّي ، فيحلفون له ، فقال له داود بن عليّ : لا يغرّك يا ابن عمي هؤلاء ، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك ، جدّ عليّ بن أبي طالب حتى قتل ، والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه وانتزعوا رداءه وجرحوه ، أوليس قد أخرجوا جدّك الحسين وحلفوا له ثم خذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه ، فلا ترجع معهم . فقالوا : يا زيد إنّ هذا لا يريد أن تظهر أنت ، ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم . فقال زيد لداود : إن عليا كان يقاتله معاوية بذهبه ، وإنّ الحسين قاتله يزيد ، والأمر مقبل عليهم . فقال له داود : إني أخاف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشدّ عليك منهم ، وأنت أعلم ، ومضى داود إلى المدينة ورجع زيد إلى الكوفة . فأتاه سلمة بن كهيل فذكر له قرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحقه فأحسن ثم قال له : نشدتك اللّه كم بايعك ؟ قال : أربعون ألفا . قال : فكم بايع جدّك ؟ قال : ثمانون ألفا . قال : فكم حصل معه ؟ قال : ثلاثمائة . قال : نشدتك اللّه أنت خير أم جدّك ؟ قال : جدّي . قال : فهذا القرن خير أم ذلك القرن ؟ قال : ذلك القرن . قال : أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدّك ؟ قال : قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم . قال : أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد ، فلا آمن أن يحدث حدث فأهلك نفسي . فأذن له فخرج إلى اليمامة . وكتب عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى زيد : أما بعد ، فإن أهل الكوفة نفج « 1 » العلانية حور السريرة « 2 » هوج في الرد ، أجزع في اللقاء ، تقدمهم ألسنتهم ولا تتابعهم قلوبهم ، ولقد تواترت كتبهم إليّ بدعوتهم فصممت عن ندائهم ، وألبست قلبي غشاء عن ذكرهم يأسا منهم وإطراحا لهم ، وما لهم مثل إلّا ما قال عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه : إن أهملتم خضتم ، وإن خوّرتم خرتم ، وإن اجتمع الناس ويتجهز للخروج ، وتزوّج بالكوفة امرأتين ، وكان ينتقل تارة عند هذه في بني سلمة قومها ، وتارة عند هذه في الأزد قومها ، وتارة في بني عبس ، وتارة في بني تغلب ، وغيرهم إلى أن ظهر في سنة اثنتين وعشرين ومائة ، فأمر أصحابه بالاستعداد ، وأخذ من كان يريد الوفاء بالبيعة يتجهز ، فبلغ ذلك يوسف بن عمر ، فبعث في طلب زيد فلم يوجد ، وخاف زيد أن يؤخذ ، فتعجل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة ، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن
--> ( 1 ) نفج : انتفج الرجل : افتخر بأكثر مما عنده . ( 2 ) حور السريرة : أي متغيري القلوب .