المقريزي

285

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

خانقاه ركن الدين بيبرس هذه الخانقاه من جملة دار الوزارة الكبرى التي تقدّم ذكرها عند ذكر القصر من هذا الكتاب ، وهي أجلّ خانقاه بالقاهرة بنيانا ، وأوسعها مقدارا وأتقنها صنعة ، بناها الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوريّ قبل أن يلي السلطنة ، وهو أمير . فبدأ في بنائها في سنة ست وسبعمائة ، وبنى بجانبها رباطا كبيرا يتوصل إليه من داخلها ، وجعل بجانب الخانقاه قبة بها قبره ، ولهذه القبة شبابيك تشرف على الشارع المسلوك فيه من رحبة باب العيد إلى باب النصر ، من جملتها الشباك الكبير الذي حمله الأمير أبو الحارث البساسيريّ من بغداد ، لما غلب الخليفة القائم العباسيّ وأرسل بعمامته وشباكه الذي كان بدار الخلافة في بغداد ، وتجلس الخلفاء فيه ، وهو هذا الشباك كما ذكر في أخبار دار الوزارة من هذا الكتاب . فلما ورد هذا الشباك من بغداد عمل بدار الوزارة واستمر فيها إلى أن عمر الأمير بيبرس الخانقاه المذكورة فجعل هذا الشباك بقبة الخانقاه ، وهو بها إلى يومنا هذا ، وإنه لشباك جليل القدر . حشم يكاد يتبين عليه أبهة الخلافة . ولما شرع في بنائها رفق بالناس ولا طفهم ولم يعسف فيها أحدا في بنائها ولا أكره صانعا ولا غصب من آلاتها شيئا ، وإنما اشترى دار الأمير عز الدين الأفرم التي كانت بمدينة مصر ، واشترى دار الوزير هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ ، وأخذ ما كان فيهما من الأنقاض ، واشترى أيضا دار الأنماط التي كانت برأس حارة الجودرية من القاهرة ونقضها وما حولها ، واشترى أملاكا كانت قد بنيت في أرض دار الوزارة من ملاكها بغير إكراه وهدمها ، فكان قياس أرض الخانقاه والرباط والقبة نحو فدّان وثلث . وعندما شرع في بنائها حضر إليه الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بكتاش الفخريّ أمير سلاح ، وأراد التقرّب لخاطره ، وعرّفه أن بالقصر الذي فيه سكن أبيه مغارة تحت الأرض كبيرة يذكر أنّ فيها ذخيرة من ذخائر الخلفاء الفاطميين ، وأنهم لما فتحوها لم يجدوا بها سوى رخام كثير فسدّوها ولم يتعرّضوا لشيء مما فيها ، فسرّ بذلك وبعث عدّة من الأمراء فتحوا المكان فإذا فيه رخام جليل القدر عظيم الهيئة ، فيه ما لا يوجد مثله لعظمه ، فنقله من المغارة ورخم منه الخانقاه والقبة وداره التي بالقرب من البندقانيين وحارة زويلة ، وفضل منه شيء كثير عهدي أنه مختزن بالخانقاه ، وأظنه أنه باق هناك . ولما كملت في سنة تسع وسبعمائة ، قرّر بالخانقاه أربعمائة صوفيّ ، وبالرباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت ، وجعل بها مطبخا يفرّق على كلّ منهم في كلّ يوم اللحم والطعام وثلاثة أرغفة من خبز البرّ ، وجعل لهم الحلوى ، ورتب بالقبة درسا للحديث النبويّ له مدرّس ، وعنده عدّة من المحدّثين ، ورتب القرّاء بالشباك الكبير يتناوبون القراءة فيه ليلا ونهارا ، ووقف عليها عدّة ضياع بدمشق وحماه ومنية المخلص