المقريزي

282

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وذلك أنه عمد إلى رجال من أهل البصرة قد تفرّغوا للعبادة وليس لهم تجارات ولا غلات ، فبنى لهم دورا وأسكنهم فيها وجعل لهم ما يقوم بمصالحهم من مطعم ومشرب وملبس وغيره ، فجاء يوما ليزورهم فسأل عنهم فإذا عبد اللّه بن عامر عامل البصرة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه قد دعاهم . فأتاه فقال له : يا ابن عامر ما تريد من هؤلاء القوم ؟ قال : أريد أن أقرّبهم فيشفعوا فأشفعهم ، ويسألوا فأعطيهم ، ويشيروا عليّ فأقبل منهم . فقال : لا ولا كرامة ، فتأتي إلى قوم قد انقطعوا إلى اللّه تعالى فتدنسهم بدنياك وتشركهم في أمرك ، حتى إذا ذهبت أديانهم أعرضت عنهم فطاحوا لا إلى الدنيا ولا إلى الآخرة ، قوموا فارجعوا إلى مواضعكم . فقاموا ، فأمسك ابن عامر فما نطق بلفظة . ذكره أبو نعيم . الخانكاه الصلاحية ، دار سعيد السعداء ، دويرة الصوفية هذه الخانكاه بخط رحبة باب العيد من القاهرة ، كانت أوّلا دارا تعرف في الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء ، وهو الأستاذ قنبر ، ويقال عنبر . وذكر ابن ميسر أن اسمه بيان ، ولقبه سعيد السعداء ، أحد الأستاذين المحنكين خدّام القصر ، عتيق الخليفة المستنصر ، قتل في سابع شعبان سنة أربع وأربعين وخمسمائة ، ورمي برأسه من القصر ، ثم صلبت جثته بباب زويلة من ناحية الخرق ، وكانت هذه الدار مقابل دار الوزارة . فلما كانت وزارة العادل رزيك بن الصالح طلائع بن رزيك سكنها وفتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض ليمرّ فيه ، ثم سكنها الوزير شاور بن مجير في أيام وزارته ، ثم ابنه الكامل . فلما استبدّ الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي بملك مصر بعد موت الخليفة العاضد ، وغير رسوم الدولة الفاطمية ، ووضع من قصر الخلافة ، وأسكن فيه أمراء دولته الأكراد ، عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة ، ووقفها عليهم في سنة تسع وستين وخمسمائة ، وولى عليهم شيخا ، ووقف عليهم بستان الحبانية بجوار بركة الفيل خارج القاهرة ، وقيسارية الشراب بالقاهرة ، وناحية دهمر ، ومن البهنساوية ، وشرط أنّ من مات من الصوفية وترك عشرين دينارا فما دونها كانت للفقراء ، ولا يتعرّض لها الديوان السلطانيّ ، ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيره ، ورتّب للصوفية في كلّ يوم طعاما ولحما وخبزا ، وبنى لهم حمّاما بجوارهم ، فكانت أوّل خانكاه عملت بديار مصر . وعرفت بدويرة الصوفية ، ونعت شيخها بشيخ الشيوخ ، واستمرّ ذلك بعده إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ سنة ست وثمانمائة ، واتضعت الأحوال وتلاشت الرتب ، فلقب كل شيخ خانكاه بشيخ الشيوخ ، وكان سكانها من الصوفية يعرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم ، وولي مشيختها الأكابر والأعيان كأولاد شيخ الشيوخ بن حمويه ، مع ما كان لهم من الوزارة والإمارة وتدبير الدولة وقيادة الجيوش وتقدمة العساكر . ووليها ذو الرياستين الوزير الصاحب قاضي القضاة تقيّ الدين عبد الرحمن بن ذي الرياستين الوزير الصاحب قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت