المقريزي
268
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
مارستان المغافر هذا المارستان كان في خطة المغافر التي موضعها ما بين العامر من مدينة مصر وبين مصلّى خولان التي بالقرافة ، بناه الفتح بن خاقان في أيام أمير المؤمنين المتوكل على اللّه ، وقد باد أثره . المارستان الكبير المنصوريّ هذا المارستان بخط بين القصرين من القاهرة ، كان قاعة ست الملك ابنة العزيز بالله نزار بن المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ ، ثم عرف بدار الأمير فخر الدين جهاركس بعد زوال الدولة الفاطمية ، وبدار موسك ، ثم عرف بالملك المفضل قطب الدين أحمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ، وصار يقال لها لدار القطبية ، ولم تزل بيد ذريته إلى أن أخذها الملك المنصور قلاون الألفيّ الصالحيّ من مؤنسة خاتون ابنة الملك العادل المعروفة بالقطبية ، وعوّضت عن ذلك قصر الزمرّد برحبة باب العيد في ثامن عشري ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانين وستمائة ، بسفارة الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ مدبر الممالك ، ورسم بعمارتها مارستانا وقبة ومدرسة ، فتولى الشجاعيّ أمر العمارة ، وأظهر من الاهتمام والاحتفال ما لم يسمع بمثله حتى تم الغرض في أسرع مدّة ، وهي أحد عشر شهرا وأيام ، وكان ذرع هذه الدار عشرة آلاف وستمائة ذراع وخلفت ست الملك بها ثمانية آلاف جارية وذخائر جليلة ، منها قطعة ياقوت أحمر زنتها عشرة مثاقيل ، وكان الشروع في بنائها مارستانا أوّل ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستمائة . وكان سبب بنائه أنّ الملك المنصور لما توجه وهو أمير إلى غزاة الروم في أيام الظاهر بيبرس سنة خمس وسبعين وستمائة ، أصابه بدمشق قولنج عظيم ، فعالجه الأطباء بأدوية أخذت له من مارستان نور الدين الشهيد فبرأ ، وركب حتى شاهد المارستان فأعجب به ، ونذران آتاه اللّه الملك أن يبني مارستانا ، فلما تسلطن أخذ في عمل ذلك فوقع الاختيار على الدار القطبية ، وعوّض أهلها عنها قصر الزمرّذ ، وولى الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ أمر عمارته ، فأبقى القاعة على حالها وعملها مارستانا ، وهي ذات إيوانات أربعة ، بكلّ إيوان شاذروان ، وبدور قاعتها فقية يصير إليها من الشاذروانات الماء ، واتفق أن بعض الفعلة كان يحفر في أساس المدرسة المنصورية فوجد حق اشنان من نحاس ، ووجد رفيقه قمقما نحاسا مختوما برصاص ، فأحضرا ذلك إلى الشجاعيّ ، فإذا في الحق فصوص ماس وياقوت وبلخش ولؤلؤ ناصع يدهش الأبصار ، ووجد في القمقم ذهبا ، كان جملة ذلك نظير ما غرم على العمارة ، فحمله إلى أسعد الدين كوهيا الناصريّ العدل ، فرفعه إلى السلطان . ولما نجزت العمارة وقف عليها الملك المنصور من الأسلاك بديار مصر وغيرها ما يقارب ألف