المقريزي
263
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وجعل ما بقي من أوقاف جمال الدين على هذه المدرسة ، بعضه وقفا على أولاده ، وبعضه وقفا على التربة التي أنشأها في قبة أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر ، وحكم القضاة الأربعة بصحة هذا الكتاب بعد ما حكموا بصحة كتاب وقف جمال الدين ، ثم حكموا ببطلانه ، ثم لما تمّ ذلك محى من هذه المدرسة اسم جمال الدين ورنكه ، وكتب اسم السلطان الملك الناصر فرج بدائر صحنها من أعلاه ، وعلى قناديلها وبسطها وسقوفها ، ثم نظر السلطان في كتبها العلمية الموقوفة بها فأقرّ منها جملة كتب بظاهر كل سفر منها فصل يتضمن وقف السلطان له ، وحمل كثير من كتبها إلى قلعة الجبل ، وصارت هذه المدرسة تعرف بالناصرية بعد ما كان يقال لها الجمالية . ولم تزل على ذلك حتى قتل الناصر وقدم الأمير شيخ إلى القاهرة واستولى على أمور الدولة ، فتوصل شمس الدين محمد أخو جمال الدين وزوّج ابنته لشرف الدين أبي بكر بن العجميّ موقع الأستادار الأمير شيخ ، حتى أحضر قضاة القضاة وحكم الصدر عليّ بن الأدميّ قاضي القضاة الحنفيّ بردّ أوقاف جمال الدين إلى ورثته من غير استيفاء الشروط في الحكم بل تهوّر فيه وجازف . ولذلك أسباب منها : عناية الأمير شيخ بجمال الدين الأستادار ، فإنه لما انتقل إليه إقطاع الأمير بحاس بعد موت الملك الظاهر برقوق ، استقرّ جمال الدين استاداره كما كان أستادار بحاس ، فخدمه خدمة بالغة ، وخرج الأمير شيخ إلى بلاد الشام واستقرّ في نيابة طرابلس ، ثم في نيابة الشام ، وخدمة جمال الدين له ولحاشيته ومن يلوذ به مستمرّة ، وأرسل مرّة الأمير شيخ من دمشق بصدر الدين بن الأدميّ المذكور في الرسالة إلى الملك الناصر وجمال الدين حينئذ عزيز مصر ، فأنزله وأكرمه وأنعم عليه وولاه قضاء الحنفية وكتابة السرّ بدمشق ، وأعاده إليه وما زال معتنيا بأمور الأمير شيخ ، حتى أنه اتهم بأنه قد مالأه على السلطان ، فقبض عليه السلطان الملك الناصر بسبب ذلك ونكبه ، فلما قتل الناصر واستولى الأمير شيخ على الأمور بديار مصر ، ولى قضاء الحنفية بديار مصر لصدر الدين عليّ بن الأدميّ المذكور ، وولى أستاداره بدر الدين حسن بن محب الدين الطرابلسيّ أستادار السلطان ، فخدم شرف الدين أبو بكر بن العجميّ زوج ابنة أخي جمال الدين عنده موقعا ، وتمكن منه فأغراه بفتح الدين فتح اللّه كاتب السرّ حتى أثخن جراحه عند الملك المؤيد شيخ ، ونكبه بعد ما تسلطن ، واستعان أيضا بقاضي القضاة صدر الدين بن الأدميّ ، فإنه كان عشيره وصديقه من أيام جمال الدين ، ثم استمال ناصر الدين محمد بن البارزيّ موقع الأمير الكبير شيخ ، فقام الثلاثة مع شمس الدين أخي جمال الدين حتى أعيد إلى مشيخة خانكاه بيبرس وغيرها من الوظائف التي أخذت منه ، عندما قبض عليه الملك الناصر وعاقبه ، وتحدّثوا مع الأمير الكبير في ردّ أوقاف جمال الدين إلى أخيه وأولاده ، فإن الناصر غصبها منهم وأخذ أموالهم وديارهم بظلمه إلى أن فقدوا القوت ، ونحو هذا من القول حتى حرّكوا منه حقدا كامنا على الناصر ، وعلموا منه عصبته لجمال الدين هذا ، وغرض القوم في الباطن