المقريزي
240
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
جلس في مرتبة النيابة ، فتقدّم إلى طفجي وقبل يده ، فقام إليه وأجلسه بجانبه ، وقام الأمراء في أمر منكوتمر يشفعون فيه ، فأمر به إلى الجب وأنزلوه فيه ، وعندما استقرّ به أدليت له القفة التي نزل فيها ، وتصايحوا عليه بالصعود فطلع عليهم ، وإذا كرجي قد وقف على رأس الجبّ في عدّة من المماليك السلطانية ، فأخذ يسب منكوتمر ويهينه وضربه بلت ألقاه ، وذبحه بيده على الجبّ وتركه وانصرف ، فكان بين قتل أستاذه وقتله ساعة من الليل ، وذلك في ليلة الجمعة عاشر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين . المدرسة القراسنقرية هذه المدرسة تجاه خانقاه الصلاح سعيد السعداء ، فيما بين رحبة باب العيد وباب النصر ، كان موضعها وموضع الربع الذي بجانبها الغربيّ مع خانقاه بيبرس ، وما في صفها إلى حمام الأعسر وباب الجوّانية ، كلّ ذلك من دار الوزارة الكبرى التي تقدّم ذكرها ، أنشأها الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريّ نائب السلطنة ، سنة سبعمائة . وبنى بجوار بابها مسجدا معلقا ومكتبا لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه العزيز ، وجعل بهذه المدرسة درسا للفقهاء ، ووقف على ذلك داره التي بحارة بهاء الدين وغيرها ، ولم يزل نظر هذه المدرسة بيد ذرّية الواقف إلى سنة خمس عشرة وثمانمائة ، ثم انقرضوا . وهي من المدارس المليحة ، وكنا نعهد البريدية إذا قدموا من الشام وغيرها لا ينزلون إلّا في هذه المدرسة حتى يتهيأ سفرهم ، وقد بطل ذلك من سنة تسعين وسبعمائة . قراسنقر بن عبد اللّه : الأمير شمس الدين الجوكندار المنصوريّ ، صار إلى الملك المنصور قلاون وترقى في خدمته إلى أن ولاه نيابة السلطنة بحلب في شعبان سنة اثنتين وثمانين وستمائة ، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الباشقرديّ ، فلم يزل فيها إلى أن مات الملك المنصور وقام من بعده ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاون ، فلما توجه الأشرف إلى فتح قلعة الروم عاد بعد فتحها إلى حلب وعزل قراسنقر عن نيابتها ، وولى عوضه الأمير سيف الدين بلبان الطناحيّ ، وذلك في أوائل شعبان سنة إحدى وتسعين ، وكانت ولايته على حلب تسع سنين . فلما خرج السلطان من مدينة حلب خرج في خدمته وتوجه مع الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة بديار مصر في عدّة من الأمراء لقتال أهل جبال كسروان ، فلما عاد سار مع السلطان من دمشق إلى القاهرة ولم يزل بها إلى أن ثار الأمير بيدرا على الأشرف ، فتوجه معه وأعان على قتله ، فلما قتل بيدرا فرّ قراسنقر ولاجين في نصف المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستمائة . واختفيا بالقاهرة إلى أن استقرّ الأمر للملك الناصر محمد بن قلاون ، وقام في نيابة السلطنة وتدبير الدولة الأمير زين الدين كتبغا ، فظهرا في يوم عيد الفطر وكانا عند فرارهما يوم قتل بيدرا أطلعا الأمير بيحاص الزينيّ مملوك الأمير كتبغا نائب السلطنة على حالهما ، فأعلم أستاذه بأمرهما وتلطف به حتى تحدّث في شأنهما مع السلطان ، فعفا عنهما ،