المقريزي

24

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

والمحراب الرابع : محاريب المساجد التي في قرى بلاد الساحل ، فإنها تخالف محاريب الصحابة ، إلّا أنّ محراب جامع منية غمر قريب من سمت محاريب الصحابة ، فإن الوزير أبا عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحيّ ، وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي بالله ، أنشأ جامعا بمنية زفتا في سنة ست عشرة وخمسمائة ، فجعل محرابه على سمت المحاريب الصحيحة . وفي قرافة مصر بجوار مسجد الفتح عدّة مساجد تخالف محاريب الصحابة مخالفة فاحشة ، وكذلك بمدينة مصر الفسطاط غير مسجد على هذا الحكم . فأما محاريب الصحابة التي بفسطاط مصر والإسكندرية ، فإن سمتها يقابل مشرق الشتاء ، وهو مطالع برج العقرب مع ميل قليل إلى ناحية الجنوب ، ومحاريب مساجد القرى وما حول مسجد الفتح بالقرافة ، فإنها تستقبل خط نصف النهار الذي يقال له خط الزوال ، وتميل عنه إلى جهة المغرب ، وهذا الاختلاف بين هذين المحرابين اختلاف فاحش يفضي إلى إبطال الصلاة . وقد قال ابن عبد الحكم : قبلة أهل مصر أن يكون القطب الشماليّ على الكتف الأيسر ، وهذا سمت محاريب الصحابة . قال : وإذا طلعت منازل العقرب وتكملت صورته ، فمحاذاته سمت القبلة لديار مصر وبرقة وإفريقية وما والاها ، وفي الفرقدين والقطب الشماليّ كفاية للمستدلين ، فإنهم إن كانوا مستقبلين في مسيرهم من الجنوب جهة الشمال ، استقبلوا القطب والفرقدين ، وإن كانوا سائرين إلى الجنوب من الشمال استدبروها ، وإن كانوا سائرين إلى الشرق من المغرب جعلوها على الأذن اليسرى ، وإن كانوا سائرين من الشرق إلى المغرب جعلوها على الأذن اليمنى ، وإن كان مسيرهم إلى النكباء « 1 » التي بين الجنوب والصبا جعلوها على الكتف الأيسر ، وإن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الجنوب والدبور جعلوها على الكتف الأيمن ، وإن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الشمال والدبور جعلوها على الحاجب الأيمن ، وإن كان مسيرهم إلى النكباء التي بين الشمال والصبا جعلوها على الحاجب الأيسر . وإذا عرف ذلك فإنه يستحيل تصويب محرابين مختلفين في قطر واحد إذا زاد اختلافهما على مقدار ما يتسامح به في التيامن والتياسر ، وبيان ذلك أن كلّ قطر من أقطار الأرض كبلاد الشام وديار مصر ونحوهما من الأقطار ، قطعة من الأرض واقعة في مقابلة جزء من الكعبة ، والكعبة تكون في جهة من جهات ذلك القطر ، فإذا اختلف محرابان في قطر واحد ، فإنا نتيقن أن أحدهما صواب والآخر خطأ ، إلّا أن يكون القطر قريبا من مكّة ، وخطته التي هو محدود بها متسعة اتساعا كثيرا يزيد على الجزء الذي يخصه لو وزعت الكعبة أجزاء متماثلة ، فإنه حينئذ يجوز التيامن والتياسر في محاريبه ، وذلك مثل بلاد البجة ، فإنها على الساحل الغربيّ من بحر القلزم ، ومكة واقعة في شرقيها ليس بينهما إلّا مسافة البحر

--> ( 1 ) النكباء : ريح انحرفت ووقعت بين ريحين كالصّبا والشّمال .