المقريزي
235
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
يترقب الفرّاش ، وأقام أناسا للقبض عليه فلم يتهيأ له مسكه . فلما أفضى الأمر إلى أبي بكر ، استدعى الأمير قوصون وكان هو القائم حينئذ بتدبير أمور الدولة ، وعرّفه ما التزمه من القبض على أقبغا وأخذ ماله وضربه بالمقارع ، وذكر له ولعدّة من الأمراء ما جرى له منه ، وكان لقوصون بأقبغا عناية ، فقال للسلطان : السمع والطاعة ، يرسم السلطان بالقبض عليه ومطالبته بالمال ، فإذا فرغ ماله يفعل السلطان ما يختاره . وأراد بذلك تطاول المدّة في أمر أقبغا ، فقبض عليه ووكل به رسل ابن صابر ، حتى أنه بات ليلة قبض عليه من غير أن يأكل شيئا ، وفي صبيحة تلك الليلة تحدّث الأمراء مع السلطان في نزوله إلى داره محتفظا به حتى يتصرّف في ماله ويحمله شيئا بعد شيء ، فنزل مع المجدي وباع ما يملكه وأورد المال . فلما قبض على الحاج إبراهيم بن صار وأقيم ابن شمس موضعه ، أرسله السلطان إلى بيت أقبغا ليعصره ويضربه بالمقارع ويعذبه ، فبلغ ذلك الأمير قوصون ، فمنع منه وشنّع على السلطان كونه أمر بضربه بالمقارع ، وأمر بمراجعته ، فحنق من ذلك وأطلق لسانه على الأمير قوصون ، فلم يزل به من حضره من الأمراء حتى سكت على مضض . وكان قوصون يدبر في انتقاض دولة أبي بكر إلى أن خلعه وأقام بعده أخاه الملك الأشرف كجك بن محمد بن قلاون ، وعمره نحو السبع سنين ، وتحكم في الدولة . فأخرج أقبغا هو وولده من القاهرة وجعله من جملة أمراء الدولة بالشام ، فسار من القاهرة في تاسع ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة على حيز الأمير مسعود بن خطير بدمشق ومعه عياله ، فأقام بها إلى أن كانت فتنة الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاون وعصيانه بالكرك على أخيه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاون ، فاتهم أقبغا بأنه بعث مملوكا من مماليكه إلى الكرك ، وأن الناصر أحمد خلع عليه ، وضربت البشائر بقلعة الكرك وأشاع أن أمراء الشام قد دخلوا في طاعته وحلفوا له ، وأن أقبغا قد بعث إليه مع مملوكه يبشره بذلك ، فلما وصل إلى الملك الصالح كتاب عساف أخي شطي بذلك ، وصل في وقت وروده كتاب نائب الشام الأمير طقزدمر يخبر فيه بأن جماعة من أمراء الشام قد كاتبوا أحمد بالكرك وكاتبهم ، وقد قبض عليهم ومن جملتهم أقبغا عبد الواحد ، فرسم بحمله مقيدا ، فحمل من دمشق إلى الإسكندرية وقتل بها في آخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة . وكان من الظلم والطمع والتعاظم على جانب كبير ، وجمع من الأموال شيئا كثيرا ، وأقام جماعة من أهل الشرّ لتتبع أولاد الأمراء وتعرّف أحوال من افتقر منهم أو احتاج إلى شيء ، فلا يزالون به حتى يعطوه مالا على سبيل القرض بفائدة جزيلة إلى أجل ، فإذا استحق المال أعسفه في الطلب وألجأه إلى بيع ماله من الأملاك ، وحلها إن كانت وقفا بعنايته به ، وعين لعمل هذه الحيل شخصا يعرف بابن القاهريّ ، وكان إذا دخل لأحد من القضاة في