المقريزي

220

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وقد ملكوا البرّ الغربيّ . فثبت لقتالهم مع ما حدث من الوهن بموت السلطان ، وثارت العربان بنواحي أرض مصر وكثر خلافهم واشتدّ ضررهم ، وقام الأمير عماد الدين أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسين عليّ بن أحمد الهكاريّ ، المعروف بابن المشطوب ، وكان أجلّ الأمراء الأكابر ، وله لفيف من الأكراد الهكارية ، يريد خلع الملك الكامل وتمليك أخيه الملك الفائز إبراهيم بن العادل ، ووافقه على ذلك كثير من الأمراء ، فلم يجد الكامل بدّا من الرحيل في الليل جريدة ، وسار من العادلية إلى أشموم طناح ونزل بها وأصبح العسكر بغير سلطان ، فركب كل واحد هواه ولم يعرّج واحد منهم على آخر ، وتركوا أثقالهم وسائر ما معهم ، فاغتنم الفرنج الفرصة وعبروا إلى برّ دمياط واستولوا على جميع ما تركه المسلمون ، وكان شيئا عظيما ، وهمّ الملك الكامل بمفارقة أرض مصر ، ثم إن اللّه تعالى ثبته وتلاحقت العساكر ، وبعد يومين قدم عليه أخوه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق باشموم ، فاشتدّ عضده بأخيه ، وأخرج ابن المشطوب من العسكر إلى الشام ، ثم أخرج الفائز إبراهيم إلى الملوك الأيوبية بالشام والشرق يستنفرهم لجهاد الفرنج ، وكتب الملك الكامل إلى أخيه الملك الأشرف موسى شاه يستحثه على الحضور ، وصدّر المكاتبة بهذه الأبيات : يا مسعدي إن كنت حقا مسعفي * فانهض بغير تلبث وتوقف واحثت قلوصك مرقلا « 1 » أو موجفا « 2 » * بتجشم « 3 » في سيرها وتعسف « 4 » واطو المنازل ما استطعت ولا تنخ * إلّا على باب المليك الأشرف وأقر السلام عليه من عبد له * متوقع لقدومه متشوّف وإذا وصلت إلى حماه فقل له * عني بحسن توصل وتلطف إن تأت عبدك عن قليل تلقه * ما بين كلّ مهند ومثقف أو تبط عن إنجاده فلقاؤه * بك في القيامة في عراص « 5 » الموقف وجدّ الكامل في قتال الفرنج وأمر بالنفير في ديار مصر ، وأتته الملوك من الأطراف ، فقدّر اللّه أخذ الفرنج لدمياط بعد ما حاصروها ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما ، ووضعوا السيف في أهلها ، فرحل الكامل من أشموم ونزل بالمنصورة وبعث يستنفر الناس ، وقوي الفرنج حتى بلغت عدّتهم نحو المائتي ألف راجل ، وعشرة آلاف فارس ، وقدم عامّة أهل أرض مصر ، وأتت النجدات من البلاد الشامية وغيرها ، فصار المسلمون في جمع عظيم إلى الغاية بلغت عدّة فرسانهم خاصة نحو الأربعين ألفا ، وكانت بين الفريقين خطوب آلت إلى

--> ( 1 ) مرقلا : مسرعا . ( 2 ) أوجف دابته : حثها وحملها على الإسراع في السير . ( 3 ) جشّمه الأمر : كلفه إياه وحمله عليه على كره ومشقة . ( 4 ) التعسف : الأخذ بالعنف والقوّة . ( 5 ) عراص : جمع عرصة : ساحة الدار .