المقريزي
197
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
التشبيه ، لم يبق في تعظيم اللّه تعالى بذكرها إلّا نفي التعطيل ، لكون أعداء المرسلين سموا ربهم سبحانه أسماء نفوا فيها صفاته العلا ، فقال قوم من الكفار هو طبيعة ، وقال آخرون منهم هو علة ، إلى غير ذلك من إلحادهم في أسمائه سبحانه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الأحاديث المشتملة على ذكر صفات اللّه العلا ، ونقلها عنه أصحابه البررة ، ثم نقلها عنهم أئمة المسلمين حتى انتهت إلينا ، وكلّ منهم يرويها بصفتها من غير تأويل لشيء منها ، مع علمنا أنهم كانوا يعتقدون أن اللّه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، ففهمنا من ذلك أن اللّه تعالى أراد بما نطق به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من هذه الأحاديث ، وتناولها عنه الصحابة رضي اللّه عنهم وبلغوها لأمّته ، أن يغص بها في حلوق الكافرين ، وأن يكون ذكرها نكتا في قلب كلّ ضال معطل مبتدع يقفو أثر المبتدعة من أهل الطبائع وعباد العلل ، فلذلك وصف اللّه تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه ، ووصفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا بما صح عنه وثبت ، فدل على أن المؤمن إذا اعتقد أن اللّه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات ، وشجا في حلوق المعطلة ، وقد قال الشافعيّ : رحمه اللّه « الإثبات أمكن » نقله الخطابيّ ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم أوّلوا هذه الأحاديث ، والذي يمنع من تأويلها إجلال اللّه تعالى عن أن تضرب له الأمثال ، وأنه إذا نزل القرآن بصفة من صفات اللّه تعالى ، كقوله سبحانه : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح / 10 ] فإن نفس تلاوة هذا يفهم منها السامع المعنى المراد به ، وكذا قوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة / 64 ] عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه إلى البخل فقال تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [ المائدة / 64 ] فإن نفس تلاوة هذا مبينة للمعنى المقصود ، وأيضا فإن تأويل هذه الأحاديث يحتاج أن يضرب للّه تعالى فيها المثل نحو قولهم في قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه / 5 ] الاستواء الاستيلاء ، كقولك استوى الأمير على البلد ، وأنشدوا : قد استوى بشر على العراق فلزمهم تشبيه الباري تعالى ببشر ، وأهل الإثبات نزهو إجلال اللّه عن أن يشبهوه بالأجسام حقيقة ولا مجازا ، وعلموا مع ذلك أن هذا النطق يشتمل على كلمات متداولة بين الخالق وخلقه ، وتحرّجوا أن يقولوا مشتركة ، لأن اللّه تعالى لا شريك له ، ولذلك : لم يتأول السلف شيئا من أحاديث الصفات ، مع علمنا قطعا أنها عندهم مصروفة عما يسبق إليه ظنون الجهال من مشابهتها الصفات المخلوقين ، وتأمّل تجد اللّه تعالى لمّا ذكر المخلوقات المتولدة من الذكر والأنثى في قوله سبحانه : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً [ الشورى / 11 ] يذرؤكم فيه علم سبحانه ما يخطر بقلوب الخلق ، فقال عز من قائل : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] .