المقريزي

154

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

خذها إليك وأحذرنّ أبا الحسن * إنا نمرّ الحرب إمرار الوسن بالسيف كي تخمد نيران الفتن فلما دخلوا المسجد صاحوا إنا لسنا قتلة عثمان ولكن اللّه قتله . فلما رأى ذلك شيعة عثمان قاموا وعقدوا لمعاوية بن خديج عليهم وبايعوه على الطلب بدم عثمان ، فسار بهم معاوية إلى الصعيد ، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة فالتقوا بدقناس من كورة البهنسا فهزم أصحاب ابن أبي حذيفة ، ومضى معاوية حتى بلغ برقة ، ثم رجع إلى الإسكندرية فبعث ابن أبي حذيفة بحيش آخر عليهم قيس بن حرمل فاقتتلوا بخربتا أوّل شهر رمضان سنة ست وثلاثين ، فقتل قيس وسار معاوية بن أبي سفيان إلى مصر ، فنزل سلمنت من كورة عين شمس في شوّال ، فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر ، فمنعوه أن يدخلها ، فبعث إليه معاوية إنّا لا نريد قتال أحد إنما جئنا نسأل القود لعثمان ، ادفعوا إلينا قاتليه عبد الرحمن بن عديس وكنانة بن بشر ، وهما رأس القوم ، فامتنع ابن أبي حذيفة وقال لو طلبت منا جديا أرطب السرة بعثمان ما دفعناه إليك . فقال معاوية بن أبي سفيان لابن أبي حذيفة : اجعل بيننا وبينكم رهنا ، فلا يكون بيننا وبينكم حرب . فقال ابن أبي حذيفة : فإني أرضى بذلك ، فاستخلف ابن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصلت بن مخرمة وخرج في الرهن ، هو وابن عيسى . وكنانة بن بشر وأبو شمر بن أبرهة وغيرهم من قتلة عثمان ، فلما بلغوا لدّ سجنهم بها معاوية وسار إلى دمشق ، فهربوا من السجن ، غير أبي شمر بن أبرهة فإنه قال : لا أدخله أسيرا وأخرج منه آبقا ، وتبعهم صاحب فلسطين فقتلهم ، واتبع عبد الرحمن بن عديس رجل من الفرس فقال له عبد الرحمن بن عديس : اتق اللّه في دمي فإني بايعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم تحت الشجرة ، فقال له : الشجر في الصحراء كثير فقتله . وقال محمد بن أبي حذيفة في الليلة التي قتل في صباحها عثمان : فإن يكن القصاص لعثمان فسنقتل من الغد ، فقتل من الغد ، وكان قتل ابن أبي حذيفة وعبد الرحمن بن عديس وكنانة بن بشر ومن كان معهم من الرهن في ذي الحجة سنة ست وثلاثين . فلما بلغ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه مصاب بن أبي حذيفة ، بعث قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ على مصر وجمع له الخراج والصلاة ، فدخلها مستهلّ شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين ، واستمال الخارجية بخربتا ودفع إليهم أعطياتهم ، ووفد عليه وفدهم فأكرمهم وأحسن إليهم ، ومصر يومئذ من جيش عليّ رضي اللّه عنه إلّا أهل خربتا الخارجين بها . فلما ولي علي رضي اللّه عنه قيس بن سعد ، وكان من ذوي الرأي ، جهد معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص على أن يخرجاه من مصر ليغلبا على أمرها ، فامتنع عليهما بالدهاء والمكايدة ، فلم يقدرا على أن يلجأ مصر حتى كان معاوية قيسا من قبل عليّ رضي اللّه عنه ، فكان معاوية يحدّث رجالا من ذوي رأي قريش فيقول : ما ابتدعت من مكايدة قط أعجب إليّ من مكايدة كدت بها قيس بن سعد حين امتنع مني ، قلت لأهل الشام لا تسبوا قيسا ولا