المقريزي
7
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ويتكامل جميع أهل الدولة وأرباب الأشغال على بابه ، فيخرج راكبا ويمضي إلى القصر ، فيمشي من الأمور ما يختار بغير مشاورة . فلما تزايد الأمر وكثر استبداده تحرّد له الحاكم ، ونقم عليه أشياء من تجرّئه عليه ومعاملته له بالإذلال وعدم الامتثال ، منها أنّه استدعاه يوما وهو راكب معه ، فصار إليه وقد ثنى رجله على عنق فرسه وصار باطن قدمه وفيه الخفّ قبالة وجه الحاكم ، ونحو ذلك من سوء الأدب . فلما كان يوم الخميس سادس عشري شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة ، أنفذ إليه الحاكم عشيّة للركوب معه إلى المقياس « 1 » ، فجاء بعد ما تباطأ ، وقد ضاق الوقت ، فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم باكيا يصيح : قتل مولاي . وكان هذا الخادم عينا لبرجوان في القصر ، فاضطرب الناس ، وأشرف عليهم الحاكم ، وقام زيدان صاحب « 2 » المظلّة فصاح بهم : من كان في الطاعة فلينصرف إلى منزله ويبكر إلى القصر المعمور . فانصرف الجميع . فكان من خبر قتل برجوان أنّه لما دخل إلى القصر كان الحاكم في بستان يعرف بدويرة التين والعنّاب ومعه زيدان ، فوافاه برجوان بها وهو قائم ، فسلّم ووقف ، فسار الحاكم إلى أن خرج من باب الدويرة فوثب زيدان على برجوان وضربه بسكّين كانت معه في عنقه ، وابتدره قوم كانوا قد أعدّوا للفتك به ، فأثخنوه جراحة بالخناجر ، واحتزّوا رأسه ودفنوه هناك . ثمّ إنّ الحاكم أحضر إليه الرئيس ، فهدأ بعد العشاء الأخيرة وقال له : أنت كابني ، وأمّنه وطمّنه ، فكانت مدّة نظر برجوان في الوساطة سنتين وثمانية أشهر تنقص يوما واحدا ، ووجد الحاكم في تركته مائة منديل يعني عمامة ، كلّها شروب ملوّنة معمّمة على مائة شاشية ، وألف سراويل دبيقية « 3 » بألف تكّة حرير أرمنيّ ، ومن الثياب المخيطة والصحاح « 4 » والحليّ والمصاغ والطيب والفرش والصياغات الذهب والفضّة ما لا يحصى كثرة ، ومن العين ثلاثة وثلاثين ألف دينار ، ومن الخيل الركابيّة مائة وخمسين فرسا وخمسين بغلة ، ومن بغال النقل ودواب الغلمان نحو ثلاثمائة رأس ، ومائة وخمسين سرجا ، منها عشرون ذهبا ؛ ومن الكتب شيء كثير . وحمل لجاريته من مصر إلى القاهرة رحل على ثمانين حمارا . قال ابن خلكان : وبرجوان بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد
--> ( 1 ) لمعرفة مقياس كمية مياه نهر النيل والحد الأدنى والأوسط والأعلى ، انظر النجوم الزاهرة 1 / 93 - 94 ، وحسن المحاضرة 2 / 374 . ( 2 ) وهو الذي يحمل المظلّة إلى جانب الخليفة ، وهي بألوان محددة بأعلاها طائر من فضة مطلية بالذهب . صبح الأعشى 4 / 7 . في الكامل لابن الأثير 7 / 201 : ريدان الصقلبي ، وأن الريدانية نسبة إليه . ( 3 ) دبيقي : نوع من القماش الحريري المزركش تصنع في دبيق ، بلدة مصرية زالت ، وكانت قرب تنيس . النجوم الزاهرة . ( 4 ) لعل المقصود بذلك الثياب غير المخيطة .