المقريزي
58
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
واستبد صلاح الدين بملك ديار مصر ، وكان أوّل ما بدأ به طلائع أن مضى ماشيا إلى دار نصر ، وأخرج الظافر والخادم وغسلهما وكفنهما ، وحمل الظافر في تابوت مغشّى ، ومشى طلائع حافيا والناس كلهم ، حتى وصلوا إلى القصر ، فصلّى عليه ابنه الخليفة الفائز ودفن في تربة القصر . خط سقيفة العدّاس « 1 » : هذا الخط قيّما بين درب شمس الدولة والبندقانيين ، كان يقال له أولا سقيفة العدّاس ، ثم عرف بالصاغة القديمة ، ثم عرف بالأساكفة ، ثم هو الآن يعرف بالحريريين الشراريين ، وبسوق الزجّاجين ، وفيه يباع الزجاج . وهو خط عامر ، وهذا العدّاس هو : علي بن عمر بن العدّاس أبو الحسن . ضمن في أيام المعز لدين اللّه كورة بوصير ، فخلع عليه وجمله ، وسار خليفته بالبنود والطبول ، في جمادى الأولى سنة أربع وستين وثلاثمائة . فلما كان في أوّل خلافة العزيز بالله بن المعز لدين اللّه ، ولّاه الوساطة ، وهي رتبة الوزارة ، بعد موت الوزير يعقوب بن كلس ، ولم يلقبه بالوزير ، فجلس في القصر لتسع عشر خلت من ذي الحجة ، سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ، وأمر ونهى ونظر في الأموال ، ورتّب العمال ، وأمر أن لا يطلق شيء إلا بتوقيعه ، ولا ينفذ إلّا ما أمر به وقرّره ، وأمره العزيز بالله أن لا يرتفق ، أي يرتشي ، ولا يرتزق ، يعني أنّه لا يقبل هدية ، ولا يضيع دينارا ولا درهما ، فأقام سنة وصرف في أوّل المحرّم من سنة ثلاث وثمانين ، فقرّر في ديوان الاستيفاء إلى أن كان جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة حسن لأبي طاهر محمود النحوي الكاتب ، وكان منقطعا إليه أن يلقى الحاكم بأمر اللّه ، ويبلغه ما تشكوه الناس من تظافر النصارى ، وغلبتهم على المملكة ، وتوازرهم ، وأنّ فهد بن إبراهيم هو الذي يقوّي نفوسهم ، ويفوّض أمر الأموال والدواوين إليهم ، وأنه آفة على المسلمين ، وعدّة للنصارى ، فوقف أبو طاهر للحاكم ليلا في وقت طوافه في الليل ، وبلّغه ذلك . ثم قال : يا مولانا إن كنت تؤثر جمع الأموال وإعزاز الإسلام ، فأرني رأس فهد بن إبراهيم في طشت ، وإلّا لم يتم من هذا شيء . فقال له الحاكم : ويحك ، ومن يقوم بهذا الأمر الذي تذكره ويضمنه . فقال : عبدك عليّ بن عمر بن العدّاس .
--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة 4 / 55 عن المقريزي : محل هذه السقيفة اليوم الجزء الغربي من شارع الحمزاوي الصغير ، بين حارة شمس الدولة وشارع الأزهر ، وهذا الخط يشمل المنطقة التي يخترقها اليوم سوق السمك القديم وسوق الصيارف الكبير وحارتا السبع قاعات البحرية والقبلية وما بين ذلك من شارع السكة الجديدة .