المقريزي

55

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

يوضع في بين القصرين من هذا النوع وغيره ، ولقد أدركنا في كل ليلة من بعد العصر يجلس الباعة بصنف لحمان الطيور التي تقلى صفا ، من باب المدرسة الكاملية إلى باب المدرسة الناصرية ، وذلك قبل بناء المدرسة الظاهرية المستجدّة ، فيباع لحم الدجاج المطجن ، ولحم الأوز المطجن ، كلّ رطل بدرهم ، وتارة بدرهم وربع ، وتباع العصافير المقوّة كل عصفور بفلس ، حسابا عن كل أربعة وعشرين بدرهم ، والمشيخة تقول إنّا حينئذ في غلاء ، لكثرة ما تصف من سعة الأرزاق ورخاء الأسعار في الزمن الذي أدركوه قبل الفناء الكبير ، ومع ذلك فلقد وقع في سنة ست وثمانين شيء لا يكاد يصدّقه اليوم من لم يدرك ذلك الزمان ، وهو أنّه : كان لنا من جيراننا بحارة برجوان ، شخص يعاني الجندية ، ويركب الخيل ، فبلغني عن غلامه أنّه خرج في ليلة من ليالي رمضان ، وكان رمضان إذ ذاك في فصل الصيف ، ومعه رقيق له من غلمان الخيل ، وأنهما سرقا من شارع بين القصرين ، وما قرب منه ، بضعا وعشرين بطيخة خضراء ، وبضعا وثلاثين شقفة جبن ، والشقفة أبدا من نصف رطل إلى رطل ، فما منّا إلّا من تعجب من ذلك ، وكيف تهيأ لاثنين فعل هذا ، وحمل هذا القدر يحتاج إلى دابتين ، إلى أن قدّر اللّه تعالى لي بعد ذلك أن اجتمعت بأحد الغلامين المذكورين ، وسألته عن ذلك فاعترف لي به ، قلت : صف لي كيف عملتما ، فذكر أنهما كانا يقفان على حانوت الجبان ، أو مقعد البطيخيّ ، وكان إذ ذاك يعمل من البطيخ في بين القصرين مرصّات كثيرة جدّا ، في كل مرصّ ما شاء اللّه من البطيخ ، قال : فإذا وقفنا قلب أحدنا بطيخة وقلب الآخر أخرى ، فلشدّة ازدحام الناس يتناول أحدنا بطيخته بخفة يد وصناعة ويقوم ، فلا يفطن به . أو يقلب أحدنا ورفيقه قائم من ورائه ، والبياع مشغول البال لكثرة ما عليه من المشترين ، وما في ذلك الشارع من غزير الناس ، فيحذفها من تحته وهو جالس القرفصا ، فإذا أحسّ بها رفيقه تناولها ومرّ . وكذلك كان فعلهم مع الجبانين ، وكانوا كثيرا ، فانظر - أعزك اللّه - إلى بضاعة يسرق منها مثل هذا القدر ولا يفطن به من كثرة ما هنالك من البضائع ولعظم الخلق . ولقد حدّثني غير واحد ممن قدم مع قاضي القضاة عماد الدين أحمد الكركيّ ، أنّه لما قدموا من الكرك في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة ، كادوا يذهلون عند مشاهدة بين القصرين . وقال لي ابنه محب الدين محمد : أوّل ما شاهدّت بين القصرين ، حسبت أنّ زفة أو جنازة كبيرة تمرّ من هنالك ، فلما لم ينقطع المارة ، سألت ما بال الناس مجتمعين للمرور من ههنا ؟ فقيل لي : هذا دأب البلد دائما ، ولقد كنا نسمع أنّ من الناس من يقوم خلف الشاب أو المرأة عند التمشي بعد العشاء بين القصرين ويجامع حتى يقضي وطره وهما ماشيان ، من غير أن يدركهما أحد لشدّة الزحام ، واشتغال كل أحد بلهوه . وما برحت أجد من الازدحام مشقة ، حتى أفادني بعض من أدركت أنّ من الرأي في المشي أن يأخذ الإنسان في مشيه نحو شماله ، فإنه لا يجد من المشقة كما يجد غيره من الزحام ، فاعتبرت ذلك آلاف مرّات في عدّة سنين ، فما أخطأ معي ، ولقد كنت أكثر من تأمّل المارة بين القصرين ، فإذا هم صفان ،