المقريزي

413

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الملكة عصمة الدين أم خليل شجرة الدر الصالحية : فأقاموها في السلطنة وحلفوا لها في عاشر صفر ، ورتبوا الأمير عز الدين أيبك التركمانيّ الصالحيّ أحد البحرية مقدّم العسكر ، وسار عز الدين أيبك الروميّ من العسكر إلى قلعة الجبل ، وأنهى ذلك إلى شجرة الدرّ ، فقامت بتدبير المملكة وعلمت على التواقيع بما مثاله والدة خليل ، ونقش على السكة اسمها ومثاله ، المستعصمة الصالحية ملكة المسلمين والدة المنصور خليل خليفة أمير المؤمنين ، وكانت البحرية قد تسلمت مدينة دمياط من الملك روادفرنس بعد ما قرّر على نفسه أربعمائة ألف دينار ، وعاد العسكر من المنصورة إلى القاهرة في تاسع صفر وحلفوا لشجرة الدرّ في ثالث عشره ، فخلعت عليهم وأنفقت فيهم الأموال ، ولم يوافق أهل الشام على سلطنتها ، وطلبوا الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز صاحب حلب فسار إليهم بدمشق وملكها ، فانزعج العسكر بالقاهرة ، وتزوّج الأمير عز الدين أيبك التركمانيّ بالملكة شجرة الدرّ ، ونزلت له عن السلطنة وكانت مدّتها ثمانين يوما . وملك بعدها . السلطان الملك المعز عز الدين أيبك الجاشنكير التركمانيّ الصالحيّ « 1 » : أحد المماليك الأتراك البحرية ، وكان قد انتقل إلى الملك الصالح من أولاد ابن التركمانيّ ، فعرف بالتركمانيّ ، ورقّاه في خدمه حتى صار من جملة الأمراء ورتبة جاشنكيره « 2 » ، فلما مات الصالح وقدّمته البحرية عليهم في سلطنة شجرة الدرّ ، كتب إليهم الخليفة المستعصم من بغداد يذمّهم على إقامة امرأة ، ووافق مع ذلك أخذ الناصر لدمشق ، وحركتهم لمحاربته ، فوقع الاتفاق على إقامة أيبك في السلطنة ، فأركبوه بشعار السلطنة في يوم السبت آخر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة ، ولقبوه بالملك المعز ، وجلس على تخت الملك بقلعة الجبل ، فورد الخبر من الغد بأخذ الملك المغيث عمر بن العادل الصغير الكرك والشوبك ، وأخذ الملك السعيد قلعة الصبيبة ، فاجتمع رأي الأمراء على إقامة الأشرف مظفر الدين موسى بن الناصر ، ويقال المسعود يوسف بن الملك المسعود يوسف ، ويقال طسز ، ويقال أيضا اقسيس بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب ، شريكا للمعز في السلطنة ، فأقاموه معه وعمره نحو ست سنين ، في خامس جمادى الأولى ، وصارت المراسيم تبرز عن الملكين ، إلّا أن الأمر والنهي للمعز ، وليس للأشرف سوى مجرّد الاسم ، وولى المعز الوزارة لشرف الدين أبي سعيد هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ ، وهو أوّل قبطيّ وليّ وزارة مصر ، وخرج المعز بالعساكر وعربان مصر لمحاربة الناصر يوسف في

--> ( 1 ) انظر النجوم الزاهرة ج 7 ص 3 . ( 2 ) الجاشنكير : هو الذي يتحدث بأمر السماط مع الاستادار ، ويتذوق الطعام والشراب قبل السلطان خوفا من أن يدس فيه سمّ أو نحوه . والكلمة مركبة من لفظين « جاشنا » وهي فارسية معناها الذوق والثاني « كير » ومعناها المتناول . أي الذي يتنذوق الطعام . النجوم الزاهرة ج 7 ص 4 .