المقريزي
359
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ديوان الجيش ما يشهد بأن البستان ليس من حقوق الديوان ، فأمر بردّه عليه فتسلمه . وأحضرت مرافعة في ورقة مختومة رفعها خادم أسود في مولاه القاضي شمس الدين شيخ الحنابلة ، تضمنت أنه يبغض السلطان ويتمنى زوال دولته ، فإنه لم يجعل للحنابلة مدرّسا في المدرسة التي أنشأها بخط بين القصرين ، ولم يولّ قاضيا حنبليا ، وذكر عنه أمورا قادحة ، فبعث السلطان الورقة إلى الشيخ ، فحضر إليه وحلف أنه ما جرى منه شيء ، وأن هذا الخادم طردته فاختلق عليّ ما قال . فقبل السلطان عذره وقال : ولو شتمتني أنت في حلّ ، وأمر بضرب الخادم مائة عصا . وغلت الأسعار بمصر حتى بلغ أردب القمح نحو مائة درهم ، وعدم الخبز ، فنادى السلطان في الفقراء أن يجتمعوا تحت القلعة ، ونزل في يوم الخميس سابع ربيع الآخر منها وجلس بدار العدل هذه ونظر في أمر السعر وأبطل التسعير ، وكتب مرسوما إلى الأمراء ببيع خمسمائة أردب ، في كلّ يوم ما بين مائتين إلى ما دونهما ، حتى لا يشتري الخزان شيئا ، وأن يكون البيع للضعفاء والأرامل فقط دون من عداهم ، وأمر الحجاب فنزلوا تحت القلعة وكتبوا أسماء الفقراء الذين تجمعوا بالرميلة ، وبعث إلى كلّ جهة من جهات القاهرة ومصر وضواحيهما حاجبا لكتابة أسماء الفقراء ، وقال : واللّه لو كان عندي غلة تكفي هؤلاء لفرّقتها ، ولما انتهى إحضار الفقراء أخذ منهم لنفسه ألوفا ، وجعل باسم ابنه الملك السعيد ألوفا ، وأمر ديوان الجيش فوزع باقيهم ، على كلّ أمير من الفقراء بعدّة رجاله ، ثم فرّق ما بقي على الأجناد ، ومفاردة الحلقة ، والمقدّمين ، والبحرية ، وجعل طائفة التركمان ناحية وطائفة الأكراد ناحية ، وقرّر لكلّ واحد من الفقراء كفايته لمدّة ثلاثة أشهر ، فلما تسلم الأمراء والأجناد ما خصهم من الفقراء فرّق من بقي منهم على الأكابر والتجار والشهود ، وعين لأرباب الزوايا مائة أردب قمح في كلّ يوم ، تخرج من الشون السلطانية إلى جامع أحمد بن طولون وتفرّق على من هناك ، ثم قال : هؤلاء المساكين الذين جمعناهم اليوم ومضى النهار لا بدّ لهم من شيء ، وأمر ففرّق في كلّ منهم نصف درهم ليتقوّت به في يومه ، ويستمرّ له من الغد ما تقرّر ، فأنفق فيهم جملة مال ، وأعطى للصاحب بهاء الدين عليّ بن محمد بن حنا طائفة كبيرة من العميان ، وأخذ الأتابك سيف الدين أقطاي طائفة التركمان ، ولم يبق أحد من الخواص والأمراء الحواشي ولا من الحجاب والولاة وأرباب المناصب وذوي المراتب وأصحاب الأموال حتى أخذ جماعة من الفقراء على قدر حاله . وقال السلطان للأمير صارم الدين المسعوديّ والي القاهرة : خذ مائة فقير وأطعمهم للّه تعالى . فقال : نعم قد أخذتهم دائما . فقال له السلطان هذا شيء فعلته ابتداء من نفسك ، وهذه المائة خذها لأجلي . فقال للسلطان : السمع والطاعة ، وأخذ مائة فقير زيادة على المائة التي عينت له ، وانقضى النهار في هذا العمل وشرع الناس في فتح الشون والمخازن وتفرقة الصدقات على الفقراء ، فنزل سعر القمح ونقص الأردب عشرين درهما ، وقلّ وجود