المقريزي

348

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

قل للغلا أنت وابن زهر * بلغتما الحدّ والنهاية ترفقا بالورى قليلا * في واحد منكما كفاية وما برح هذا الميدان باقيا إلى أن عمّر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون قصر الأمير بكتمر الساقي على بركة الفيل ، فأدخل فيه جميع أرض هذا الميدان ، وجعله إصطبل الأمير بكتمر الساقي ، في سنة سبع عشرة وسبعمائة ، وهو باق إلى وقتنا هذا . ميدان المهاري : هذا الميدان بالقرب من قناطر السباع في برّ الخليج الغربيّ ، كان من جملة جنان الزهريّ ، أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة عشرين وسبعمائة ، ومن وراء هذا الميدان بركة ماء كان موضعها كرم القاضي الفاضل رحمة اللّه عليه . قال جامع السيرة الناصرية : وكان الملك الناصر محمد بن قلاون له شغف عظيم بالخيل ، فعمل ديوانا ينزل فيه كلّ فرس بشأنه واسم صاحبه وتاريخ الوقت الذي حضر فيه ، فإذا حملت فرس من خيول السلطان أعلم به وترقب الوقت الذي تلد فيه ، واستكثر من الخيل حتى احتاج إلى مكان برسم نتاجها ، فركب من قلعة الجبل في سنة عشرين وسبعمائة ، وعين موضعا يعمله ميدانا برسم المهاري ، فوقع اختياره على أرض بالقرب من قناطر السباع ، وما زال واقفا بفرسه حتى حدّد الموضع وشرع في نقل الطين البليز إليه ، وزرعه من النخل وغيره ، وركب على الآبار التي فيه السواقي ، فلم يمض سوى أيام حتى ركب إليه ولعب فيه بالكرة مع الخاصكية ، ورتب فيه عدّة حجور للنتاج وأعدّلها سوّاسا وأميرا خورية وسائر ما يحتاج إليه ، وبني فيه أماكن ولازم الدخول إليه في ممرّه إلى الميدان الذي أنشأه على النيل بموردة الملح . فلما كان بعد أيام وأشهر حسن في نفسه أن يبني تجاه هذا الميدان على النيل الأعظم بجوار جامع الطيبرسي زريبة ، ويبرز بالمناظر التي ينشئها في الميدان إلى قرب البحر ، فنزل بنفسه وتحدّث في ذلك ، فكثّر المهندسون المصروف في عينه وصعّبوا الأمر من جهة قلة الطين هناك ، وكان قد أدركه السفر للصعيد ، فترك ذلك وما برحت الخيول في هذا الميدان إلى أن مات الملك الظاهر برقوق في سنة إحدى وثمانمائة ، واستمرّ بعده في أيام ابنه الملك الناصر فرج ، إلّا أنه تلاشى أمره عما كان قبل ذلك ، ثم انقطعت منه الخيول وصار براحا خاليا . ميدان سرياقوس : كان هذا الميدان شرقيّ ناحية سرياقوس بالقرب من الخانقاه ، أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ، وبنى فيه قصورا جليلة وعدّة منازل للأمراء ، وغرس فيه بستانا كبيرا نقل إليه من دمشق سائر الأشجار التي تحمل الفواكه ، وأحضر معها خولة بلاد الشام حتى غرسوها وطعموا الأشجار ، فأفلح