المقريزي
332
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فاشتدّ غضبه على العلاء رضي اللّه عنه ، وكتب إليه بعزله وتوعده وأمره بأثقل الأشياء عليه وأبغض الوجوه إليه ، بتأمير سعد بن أبي وقاص عليه وقال : الحق بسعد بن أبي وقاص بمن معك ، فخرج رضي اللّه عنه من البحرين بمن معه نحو سعد رضي اللّه عنه ، وهو يومئذ على الكوفة ، وكان بينهما تباين وتباعد ، وكتب عمر رضي اللّه عنه إلى عتبة بن غزوان بأنّ العلاء بن الحضرميّ حمل جندا من المسلمين في البحر فأقطعهم إلى فارس وعصاني ، وأظنه لم يرد اللّه عز وجلّ بذلك ، فخشيت عليهم أن لا ينصروا وأن يغلبوا ، فاندب لهم الناس وضمهم إليك من قبل أن يجتاحوا ، فندب عتبة رضي اللّه عنه الناس وأخبرهم بكتاب عمر رضي اللّه عنه ، فانتدب عاصم بن عمرو ، وعرفجة بن هرثمة ، وحذيفة بن محصن ، ومجراة بن ثور ، ونهار بن الحارث ، والترجمان بن فلان ، والحصين بن أبي الحرّ ، والأحنف بن قيس ، وسعد بن أبي العرجاء ، وعبد الرحمن بن سهل ، وصعصعة بن معاوية رضي اللّه تعالى عنهم . فساروا من البصرة في اثني عشر ألفا على البغال يجنبون الخيل ، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم رضي اللّه عنهم ، فساحل بهم حتى التقى أبو سبرة وخليد حيث أخذت عليهم الطرق ، وقد استصرخ أهل إصطخر أهل فارس كلهم فأتوهم من كل وجه وكورة ، فالتقوا هم وأبو سبرة فاقتتلوا ، ففتح اللّه على المسلمين وقتل المشركون ، وعاد المسلمون بالغنائم إلى البصرة ، ورجع أهل البحرين إلى منازلهم . فلما فتح اللّه تعالى الشأم ألح معاوية بن أبي سفيان وهو يومئذ على جند دمشق والأردن ، على عمر رضي اللّه عنه في غزو البحر وقرب الروم من حمص . وقال : إنّ قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم ، حتى إذا كاد ذلك يأخذ بقلب عمر رضي اللّه عنه اتهم معاوية لأنه المشير ، وأحب عمر رضي اللّه عنه أن يردعه فكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر ، أن صف لي البحر وراكبه ، فإنّ نفسي تنازعني إليه وأنا أشتهي خلافها . فكتب إليه : يا أمير المؤمنين ، إني رأيت البحر خلقا كبيرا يركبه خلق صغير ، ليس إلّا السماء والماء ، إن ركد حزّن القلوب ، وإن زلّ أزاغ العقول ، يزداد فيه اليقين قلة ، والشك كثرة ، هم فيه كدود على عود ، إن مال غرق وإن نجا برق . فلما جاءه كتاب عمرو ، كتب رضي اللّه عنه إلى معاوية : لا والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا ، إنّا قد سمعنا أنّ بحر الشأم يشرف على أطول شيء في الأرض ، يستأذن اللّه تعالى في كل يوم وليلة أن يفيض على الأرض فيغرقها ، فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب ، وتاللّه لمسلم واحد أحب إليّ مما حوته الروم ، فإياك أن تعرض لي وقد تقدّمت إليك ، وقد علمت ما لقي العلاء مني ولم أتقدّم إليه في مثل ذلك . وعن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : لا يسألني اللّه عز وجلّ عن ركوب المسلمين البحر أبدا . وروي عنه ابنه عبد اللّه رضي اللّه عنهما أنه قال : لولا آية في كتاب اللّه تعالى لعلوت راكب البحر بالدرة .