المقريزي

33

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وكان أرمنيّ الجنس ، وسمّي الفاصد لأنه فصد الأمير حسن بن الحافظ وتركه محلولا فصاده حتّى مات . وله خبر غريب في وفاته ، كان الحافظ قد نقم عليه أشياء طلب قتله بها باطنا فقال لطبيبه : اكفني أمره بمأكل أو مشرب ، فأبى الطبيب ذلك خوفا أن يصير عند الحافظ بهذه العين وربما قتله بها ، والحافظ يحثّه على ذلك فاتّفق ليأنس الوزير المذكور أنه مرض بزحير « 1 » ، وإن الحافظ خاطب الطبيب بذلك فقال : يا مولاي ، قد أمكنتك الفرصة وبلغت مقصودك ، ولو أنّ مولانا عادة في هذه المرضة اكتسب حسن أحدوثة ، وهذه المرضة ليس دواؤه منها إلّا الدعة والسكون ، ولا شيء أضرّ عليه من الانزعاج والحركة ، فبمجرّد ما سمع بقصد مولانا له تحرّك واهتمّ بلقاء مولانا وانزعج ، وفي ذلك تلاف نفسه . ففعل الخليفة ذلك وأطال الجلوس عنده فمات « 2 » . وهذا الخبر فيه أوهام منها أنه جعل اليانسية منسوبة ليأنس الوزير ، وقد كانت اليانسية قبل يأنس هذا بمدّة طويلة ، ومنها أنه ادّعى أن حسن بن الحافظ مات من فصادة ، وليس كذلك ، وإنما مات مسموما ، ومنها أنه زعم أن يأنس تولّى فصده وليس كذلك ، بل الذي تولى قتله بالسم أبو سعيد ابن فرقة ، ومنها أن الذي نقم عليه الحافظ من الأمراء فخانه في ابنه حسن إنما هو الأمير المعظّم جلال الدين محمد المعروف بجلب راغب ، وهذا نص الخبر فنزه بالك ، واللّه تعالى أعلم . ذكر وزارة أبي الفتح ناصر الجيوش يأنس الأرمني وكان من خبر ذلك أن الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبا عليّ منصورا لما قتله النزارية « 3 » في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة أقام هزبر الملوك جوامرد « 4 » العادل برغش الأمير أبا الميمون عبد المجيد في الخلافة كفيلا للحمل الذي تركه الآمر ، ولقّب بالحافظ لدين اللّه ، ولبس هزبر الملوك خلع الوزارة ، فثار الجند وأقاموا أبا عليّ أحمد الملقّب بكتيفات ولدا لأفضل ابن أمير الجيوش في الوزارة ، وقتل هزبر الملوك واستولى كتيفات على الآمر ، وقبض على الحافظ وسجنه بالقصر مقيّدا إلى أن قتل كتيفات في المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمسمائة . وبادر صبيان الخاص الذين تولّوا قتله إلى القصر ، ودخلوا ومعهم الأمير يأنس متولّي الباب إلى الخزانة التي فيها الحافظ ، وأخرجوه إلى الشبّاك وأجلسوه في منصب الخلافة وقالوا له : واللّه ما حرّكنا على هذا إلا الأمير يأنس ، فجازاه الحافظ بأن فوّض إليه الوزارة في الحال ، وخلع عليه فباشرها مباشرة جيّدة . وكان عاقلا مهابا متمسّكا

--> ( 1 ) الزحير : الزحار ، الديسنطاريا . / المنجد / . ( 2 ) في النجوم الزاهرة 5 / 234 : وضع له فرّاشه في الطهارة ماء مسموما ، فاستنجى به ، فعمّل عليه سفله ودوّد ، . . . إلى أن مات . ( 3 ) انظر ذلك في النجوم الزاهرة 5 / 182 - 183 . ( 4 ) في النجوم الزاهرة 5 / 235 : برغوارد .