المقريزي
327
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
هذه الأخصاص عدّة وافرة ، وزرع حول كل خص من المقائي وغيرها ما يستحسن ، وأقام أهل الخلاعة والمجون هناك ، وتهتكوا بأنواع المحرّمات ، وتردّد إلى هذه الجزيرة أكثر الناس حتى كادت القاهرة أن لا يثبت بها أحد ، وبلغ أجرة كل قصبة بالقياس في هذه الجزيرة ، وفي الجزيرة التي عرفت بالطمية فيما بين مصر والجيزة ، مبلغ عشرين درهما نقرة ، فوقف الفدّان هناك بمبلغ ثمانية آلاف درهم نقرة ، ونصبت في هذه الأفدنة الأخصاص المذكورة ، وكان الانتفاع بها فيما ذكر نحو ستة أشهر من السنة ، فعلى ذلك يكون الفدّان فيها بمبلغ ستة عشر ألف درهم نقرة ، وأتلف الناس هناك من الأموال ما يجل وصفه ، فلما كثر تجاهرهم بالقبيح ، قام الأمير أرغون العلائيّ مع الملك الكامل شعبان بن محمد بن قلاون في هدم هذه الأخصاص التي بهذه الجزيرة قياما زائدا ، حتى أذن له في ذلك ، فأمر والي مصر والقاهرة فنزلا على حين غفلة ، وكبسا الناس وأراقا الخمور وحرّقا الأخصاص ، فتلف للناس في النهب والحريق ، وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية والنهاية . وفي هذه الجزيرة يقول الأديب إبراهيم المعمار : جزيرة البحر جنّت * بها عقول سليمة لما حوت حسن مغنى * ببسطة مستقيمة وكم يخوضون فيها * وكم مشوا بنميمة ولم تزل ذا احتمال * ما تلك إلّا حليمة ذكر السجون قال ابن سيده : السجن ، الحبس ، والسجان صاحب السجن ، ورجل سجين مسجون . قال : وحبسه يحبسه حبسا فهو محبوس وحبيس ، واحتبسه وحبسه أمسكه عن وجهه . وقال سيبويه : حبسه ، ضبطه ، واحتبسه ، اتخذه حبسا ، والمحبس والمحبسة والمحتبس ، اسم الموضع . وقال بعضهم : المحبس يكون مصدرا كالحبس ، ونظيره إلى اللّه مرجعكم ، أي رجوعكم . ويسألونك عن المحيض أي الحيض . وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جدّه رضي اللّه عنهم قال : إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حبس في تهمة يوما وليلة » فالحبس الشرعيّ ليس هو السجن في مكان ضيق ، وإنما هو تعويض الشخص ومنعه من التصرّف بنفسه ، سواء كان في بيت أو مسجد ، أو كان يتولى نفس الخصم أو وكيله عليه ، وملازمته له ، ولهذا سماه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أسيرا ، كما روى أبو داود وابن ماجة عن الهرماس بن حبيب عن أبيه رضي اللّه عنهما . قال : « أتيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بغريم لي فقال لي : الزمه ، ثم قال لي يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك » وفي رواية ابن ماجة ثمّ مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بي آخر النهار فقال : « ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم » وهذا كان هو الحبس على عهد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه ، ولم يكن له محبس معدّ لحبس