المقريزي
274
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وقال : يا نزهة الرصد المصري قد جمعت * من كلّ شيء حلا في جانب الوادي فذا غدير وذا روض وذا جبل * والضب والنون والملاح والحادي وقال إبراهيم بن الرفيق في تاريخه : حدّثني محمد الكهينيّ ، وكان أديبا فاضلا ، قد سافر ورأى بلدان المشرق قال : ما رأيت قطّ أجمل من أيام النوروز ، والغيطاس ، والميلاد ، والمهرجان ، وعيد الشعانين ، وغير ذلك من أيام اللهو التي كانوا يسخون فيها بأموالهم ، رغبة في القصف والعزف ، وذلك أنه لا يبقى صغير ولا كبير إلّا خرج إلى بركة الحبش متنزها ، فيضربون عليها المضارب الجليلة ، والسرادقات والقباب ، والشراعات ، ويخرجون بالأهل والولد ، ومنهم من يخرج بالقينات المسمعات المماليك والمحرّرات ، فيأكلون ويشربون ويسمعون ويتفكهون وينعمون ، فإذا جاء الليل أمر الأمير تميم بن المعز مائتي فارس من عبيده بالعسس عليهم في كل ليلة ، إلى أن يقضوا من اللهو والنزهة إربهم وينصرفوا فيسكرون وينامون كما ينام الإنسان في بيته ، ولا يضيع لأحد منهم ما قيمته حبة واحدة ، ويركب الأمير تميم في عشاري ويتبعه أربعة زواريق مملوءة فاكهة وطعاما ومشروبا ، فإن كانت الليالي مقمرة ، وإلّا كان معه من الشموع ما يعيد الليل نهارا ، فإذا مرج على طائفة واستحسن من غنائهم صوتا ، أمرهم بإعادته وسألهم عما عز عليهم ، فيأمر لهم به ، ويأمر لمن يغني لهم . وينتقل منهم إلى غيرهم بمثل هذا الفعل عامّة ليله ، ثم ينصرف إلى قصوره وبساتينه التي على هذه البركة ، فلا يزال على هذه الحال حتى تنقضي هذه الأيام ، ويتفرّق الناس . وقال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي الحنفيّ ، وتوفي بدمشق سنة إحدى وخمسين وستمائة ، يصف بركة الحبش في أيام الربيع : إذا زيّن الحسناء قرط فهذه * يزينها من كلّ ناحية قرط ترقرق فيها أدمع الطلّ غدوة * فقلت لآل قد تضمنها قرط وقال ابن سعيد في كتاب المغرب : وخرجت مرّة حيث بركة الحبش التي يقول فيها أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ عفا اللّه عنه : للّه يومي ببركة الحبش * والأفق بين الضياء والغبش والنيل تحت الرياح مضطرب * كصارم في يمين مرتعش وعاينت من هذه البركة أيام فيض النيل عليها أبهج منظر ، ثم زرتها أيام غاص الماء ، وبقيت فيها مقطعات بين خضر من القرط والكتان تفتن الناظر ، وفيها أقول :