المقريزي
236
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
المجاور لقناطر السباع الآن ، أنشأ زريبة في قبليّ الجامع الطيبرسيّ ، وحفر لأجل بناء هذه الزريبة البركة المعروفة الآن بالبركة الناصرية ، حتى استعمل طينها في البناء ، وأنشأ فوق هذه الزريبة دار وكالة وربعين عظيمين ، جعل أحدهما وقفا على الخانقاه التي أنشأها بناحية سرياقوس ، وأنعم بالآخر على الأمير بكتمر الساقي ، فأنشأ الأمير بكتمر بجواره حمّامين ، إحداهما برسم الرجال والأخرى برسم النساء ، فكثر بناء الناس فيما هنالك حتى اتصلت العمارة من بحريّ الجامع الطيبرسيّ بزريبة قوصون ، وصار هناك أزقة وشوارع ودروب ومساكن ، من وراء المناظر المطلة على النيل ، تتصل بالخليج . وأكثر الناس من البناء في طريق الميدان السلطانيّ ، فصارت العمائر منتظمة من قناطر السباع إلى الميدان ، من جهاته كلها ، وتنافس الناس في تلك الأماكن وتغالوا في أجرها . وعمر المكين إبراهيم بن قزوينة ناظر الجيش في قبليّ زريبة السلطان ، حيث كان بستان الخشاب ، دارا جليلة . وعمر أيضا صلاح الدين الكحال ، والصاحب أمين الدين عبد اللّه بن الغنام ، وعدّة من الكتاب ، فقيل لهذه الخطة منشأة الكتاب ، وأنشأ فيها الصاحب أمين الدين خانقاه بجوار داره ، وعمر أيضا كريم الدين الصغير ، حتى اتصلت العمارة بمنشأة المهراني ، فصار ساحل النيل من خط دير الطين قبليّ مدينة مصر إلى منية الشيرج بحريّ القاهرة ، مسافة لا تقصر عن أزيد من نصف بريد بكثير ، كلها منتظمة بالمناظر العظيمة ، والمساكن الجليلة ، والجوامع ، والمساجد ، والخوانك ، والحمامات ، وغيرها من البساتين ، لا تجد فيما بين ذلك خرابا البتة ، وانتظمت العمارة من وراء الدور المطلة على النيل حتى أشرفت على الخليج . فبلغ هذا البرّ الغربيّ من وفور العمارة وكثرة الناس وتنافسهم في الإقبال على اللذات وتأنقهم في الانهماك في المسرّات ما لا يمكن وصفه ، ولا يتأتى شرحه ، حتى إذا بلغ الكتاب أجله وحدثت المحن من سنة ست وثمانمائة ، وتقلص ماء النيل عن البرّ الشرقيّ ، وكثرت حاجات الناس وضروراتهم ، وتساهل قضاة المسلمين في الاستبدال في الأوقاف وبيع نقضها ، اشترى شخص الربعين والحمامين ودار الوكالة التي ذكرت على زريبة السلطان بجوار الجامع الطيبرسيّ ، في سنة سبع وثمانمائة ، وهدم ذلك كله وباع أنقاضه ، وحفر الأساسات واستخرج ما فيها من الحجر وعمله جيرا ، فنال من ذلك ربحا كثيرا ، وتتابع الهدم في شاطىء النيل وباع الناس أنقاض الدور ، فرغب في شرائها الأمراء والأعيان وطلاب الفوائد من العامة ، حتى زال جميع ما هنالك من الدور العظيمة والمناظر الجليلة ، وصار الساحل من منشأة المهرانيّ إلى قريب من بولاق كيمانا موحشة ، وخرائب مقفرة ، كأن لم تكن مغنى صبابات ، وموطن أفراح ، وملعب أتراب ، ومرتع غزلان تفتن النساك هناك ، وتعيد الحليم سفيها سنة اللّه في الذين خلوا من قبل ، وإني إذا تذكرت ما صارت إليه أنشد قول عبد اللّه بن المعتز :