المقريزي

231

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

القاهرة إلى بغداد وخرج منها ثانيا وأقام بدمشق مدّة ، تعلم أهل دمشق من أصحابه التظاهر بها . وقدم إلى القاهرة شخص من ملاحدة العجم صنع الحشيشة بعسل ، خلط فيها عدّة أجزاء مجففة ، كعرف اللفاح ونحوه ، وسمّاها العقدة وباعها بخفية ، فشاع أكلها وفشا في كثير من الناس مدّة أعوام ، فلما كان في سنة خمس عشرة وثمانمائة شنع التجاهر بالشجرة الملعونة ، فظهر أمرها واشتهر أكلها وارتفع الاحتشام من الكلام بها ، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين ، وبهذا السبب غلبت السفالة على الأخلاق ، وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين الناس ، وجهروا بالسوء من القول ، وتفاخروا بالمعايب ، وانحطوا عن كل شرف وفضيلة ، وتحلوا بكل ذميمة من الأخلاق ورذيلة ، فلولا الشكل لم تقض لهم بالإنسانية ، ولولا الحس لما حكمت عليهم بالحيوانية ، وقد بدأ المسخ في الشمائل والأخلاق المنذر بظهوره على الصور والذوات ، عافانا اللّه تبارك وتعالى من بلائه ، وأرض الطبالة الآن بيد ورثة الحاجب . ذكر أرض البعل والتاج قال ابن سيده : البعل ، الأرض المرتفعة التي لا يصيبها المطر إلّا مرّة واحدة في السنة . وقيل : البعل ، كلّ شجر أو زرع لا يسقى . وقيل : البعل : ما سقته السماء ، وقد استبعل الموضع . والبعل : من النخل ما شرب بعروقه من غير سقي ولا ماء سماء . وقيل هو ما اكتفى بماء السماء ، والبعل ما أعطي من الأتاوة على سقي النخل ، واستبعل الموضع والنخل صار بعلا . وأرض البعل هذه بجانب الخليج ، تتصل بأرض الطبالة ، كانت بستانا يعرف بالبعل ، وفيه منظرة أنشأه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ ، وجعل على هذا البستان سورا ، وإلى جانب بستان البعل هذا بستان التاج ، وبستان الخمس وجوه ، وقد ذكرت مناظر هذه البساتين وما كان فيها للخلفاء الفاطميين من الرسوم عند ذكر المناظر من هذا الكتاب . وأرض البعل في هذا الوقت مزرعة تجاه قنطرة الأوز التي على الخليج . يخرج الناس للتنزه هناك أيام النيل وأيام الربيع ، وكذلك أرض التاج فإنها اليوم قد زالت منها الأشجار واستقرّت من أراضي المنية الخراجية ، وفي أيام النيل ينبت فيها نبات يعرف بالبشنين ، له ساق طويل وزهره شبه اللينوفر ، وإذا أشرقت الشمس انفتح فصار منظرا أنيقا ، وإذا غربت الشمس انضم . ويذكر أنّ من العصافير نوعا صغيرا يجلس العصفور منه في دار البشنينة ، فإذا أقبل الليل انضمت عليه وغطست في الماء فبات في جوفها آمنا إلى أن تشرق الشمس ، فتصعد البشنينة وتنفتح فيطير العصفور ، وهو شيء ما برحنا نسمعه . وهذا البشنين يصنع من زهره دهن يعالج به في البرسام وترطيب الدماغ فينجع ، وأصله يعرف بالبيارون ، يجمعه الأعراب ويأكلونه نيئا ومطبوخا ، وهو يميل إلى الحرارة يسيرا ، ويزيد في الباه ، ويسخّن المعدة ويقوّيها ، ويقطع الزحير ، ذكر ذلك ابن البيطار في كتاب المفردات ، وفي أيام الربيع