المقريزي

161

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

أنا قد حملت بركي ، ولكن أشتهي منك أن تسأل الأمير ما ذنبي . قال : فدخلت إلى الأمير وأخبرته بما قال الرجل . فقال : واللّه ما له عندي ذنب إلا أنّ هذا البرك وهذه الهمة يستحق بها أضعاف ما أعطي ، فأنكرت عليه كيف رضي بهذا القدر اليسير وهو يستحق أن تكون أربعين ألف درهم ، وتكون قليلة في حقه ، فإذا خدم بثلاثين ألف درهم يكون قد ترك لنا عشرة آلاف درهم ، فهذا ذنبه عندي . فرجعت إلى الرجل فأعلمته بما قال الأمير فقال : إنما خدمت عند الأمير ورضيت بهذا القدر لعلمي أن الأمير إذا عرف حالي فيما بعد لا يقنع لي بهذا الجاري ، فكنت على ثقة من إحسان الأمير أبقاه اللّه ، وأما الآن فلا أرضى أن أخدم إلا بثلاثين ألف درهم كما قال الأمير . فرجعت إلى الأمير وأخبرته بما قال الرجل فقال : يجري له ما طلب ، وخلع عليه وأحسن إليه . وكان الأمير فخر الدين جهاركس مقدّم الناصرية والحاكم بديار مصر في أيام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أن مات العزيز ، فمال الأمير فخر الدين جهاركس إلى ولاية ابن الملك العزيز ، وفاوض في ذلك الأمير سيف الدين يازكوج الأسديّ ، وهو يومئذ مقدّم الطائفة الأسدية ، وكان الملك العزيز قد أوصى بالملك لولده محمد ، وأن يكون الأمير الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسديّ مدبر أمره ، فأشار يازكوج بإقامة الملك الأفضل عليّ بن صلاح الدين في تدبير أمير ابن العزيز ، فكره جهاركس ذلك ، ثم أنهم أقاموا ابن العزيز ولقبوه بالملك المنصور وعمره نحو تسع سنين ، ونصبوا قراقوش اتابكا ، وهم في الباطن يختلفون عليه ، وما زالوا يسعون عليه في إبطال أمر قراقوش حتى اتفقوا على مكاتبة الأفضل المتقدّم ذكره ، وحضوره إلى مصر ويعمل اتابكية المنصور مدّة سبع سنين حتى يتأهل بالاستبداد بالملك ، بشرط أن لا يرفع فوق رأسه سنجق الملك ، ولا يذكر اسمه في خطبة ، ولا سكة ، فلما سار القاصد إلى الأفضل بكتب الأمراء ، بعث جهاركس في الباطن قصدا على لسانه ولسان الطائفة الصلاحية بكتبهم إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب ، وكتب إلى الأمير ميمون القصريّ صاحب نابلس يأمره بأن لا يطيع الملك الأفضل ، ولا يحلف له ، فاتفق خروج الملك الأفضل من صرخد « 1 » ، ولقاه قاصد فخر الدين جهاركس فأخذ منه الكتب وقال : له ارجع فقد قضيت الحاجة ، وسار إلى القاهرة ومعه القاصد ، فلما خرج الأمراء من القاهرة إلى لقائه ببلبيس ، فعمل له فخر الدين سماطا احتفل فيه احتفالا زائدا لينزل عنده ، فنزل عند أخيه الملك المؤيد نجم الدين مسعود ، فشق ذلك على جهاركس ، وجاء إلى خدمته ، فلما فرغ من طعام أخيه صار إلى خيمة جهاركس

--> ( 1 ) صرخد : بلد ملاصق لبلاد حوران من أعمال دمشق .