المقريزي
131
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الرميلة ، تحت قلعة الجبل ، وكان قصرا عظيما ، أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ببنائه لسكن الأمير يلبغا اليحياوي ، وأن يبنى أيضا قصر يقابله برسم سكنى الأمير الطنبغا الماردينيّ ، لتزايد رغبته فيهما وعظيم محبته لهما ، حتى يكونا تجاهه وينظر إليهما من قلعة الجبل ، فركب بنفسه إلى حيث سوق الخيل من الرميلة تحت القلعة ، وسار إلى حمام الملك السعيد ، وعيّن اصطبل الأمير أيدغمش أميراخور ، وكان تجاهها ليعمره هو وما يقابله قصرين متقابلين ويضاف إليه إصطبل الأمير طاشتمر الساقي ، واصطبل الجوق وأمر الأمير قوصون أن يشتري ما يجاور إصطبله من الأملاك ويوسع في إصطبله ، وجعل أمر هذه العمارة إلى الأمير اقبغا عبد الواحد ، فوقع الهدم فيما كان بجوار بيت الأمير قوصون ، وزيد في الإصطبل وجعل باب هذا الإصطبل من تجاه باب القلعة المعروف بباب السلسلة « 1 » ، وأمر السلطان بالنفقة على العمارة من مال السلطان على يد النشو ، وكان للملك الناصر رغبة كبيرة في العمارة بحيث أنه أفرد لها ديوانا ، وبلغ مصروفها في كل يوم اثني عشر ألف درهم نقرة ، وأقل ما كان يصرف من ديوان العمارة في اليوم برسم العمارة مبلغ ثمانية آلاف درهم نقرة ، فلما كثر الاهتمام في بناء القصرين المذكورين وعظم الاجتهاد في عمارتهما وصار السلطان ينزل من القلعة لكشف العمل ويستحث على فراغهما ، وأوّل ما بدىء به قصر يلبغا اليحياوي ، فعمل أساسه حضيرة واحدة انصرف عليها وحدها مبلغ أربعمائة ألف درهم نقرة ، ولم يبق في القاهرة ومصر صانع له تعلق في العمارة إلّا وعمل فيها حتى كمل القصر ، فجاء في غاية الحسن ، وبلغت النفقة عليه مبلغ أربعمائة ألف ألف وستين ألف درهم نقرة ، منها ثمن لازورد خاصة مائة ألف درهم . فلما كملت العمارة نزل السلطان لرؤيتها ، وحضر يومئذ من عند الأمير سيف الدين طرغاي نائب حلب تقدمة ، من جملتها عشرة أزواج بسط أحدها حرير ، وعدّة أواني من بلور ونحوه ، وخيل وبخاتي ، فأنعم بالجميع على الأمير يلبغا اليحياويّ ، وأمر الأمير أقبغا عبد الواحد أن ينزل إلى هذا القصر ومعه أخوان سلار برفقته ، وسار أرباب الوظائف لعمل مهم ، فبات النشو ناظر الخاص هناك لتعبية ما يحتاج إليه من اللحوم والتوابل ونحوها ، فلما تهيأ ذلك حضر سائر أمراء الدولة من أوّل النهار وأقاموا بقصر يلبغا اليحياوي في أكل وشرب ولهو ، وفي آخر النهار حضرت إليهم التشاريف السلطانية ، وعدّتها أحد عشر تشريفا برسم أرباب الوظائف ، وهم : الأمير أقبغا عبد الواحد ، والأستادار ، والأمير قوصون الساقي ،
--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة 4 / 56 : درب السلسلة : عرف بالسلسلة التي كانت تمد ليلا في عرض الطريق بين باب هذا الدرب وبين باب الزهومة لمنع المرور ليلا بين قصور الخلفاء . وموضع هذا الدرب اليوم وكالة الجواهرجية الواقعة بشارع الخردجية تجاه مدخل شارع خان الخليلي الذي كان في أوله باب الزهومة .