المقريزي

129

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

من السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قطعة أرض كانت داخل هذا القصر من حقوق بيت المال ، وهدم دارا كانت قد أنشئت هناك . عرفت بدار قطوان الساقي ، وهدم أحد عشر مسجدا وأربعة معابد كانت من آثار الخلفاء يسكنها جماعة الفقراء ، وأدخل ذلك في البناء إلّا مسجدا منها فإنه عمر ، ويعرف اليوم بمسجد النجل ، فجاء هذا القصر من أعظم مباني القاهرة ، فإن ارتفاعه في الهواء أربعون ذراعا ، ونزول أساسه في الأرض مثل ذلك ، والماء يجري بأعلاه ، وله شبابيك من حديد تشرف على شارع القاهرة وينظر من أعلاه عامّة القاهرة والقلعة والنيل والبساتين ، وهو مشرق جليل مع حسن بنائه وتأنق زخرفته والمبالغة في تزويقه وترخيمه ، وأنشأ أيضا في أسفله حوانيت كان يباع فيها الحلوى وغيرها ، فصار الأمر أخيرا كما كان أوّلا بتسمية الشارع بين القصرين ، فإنه كان أوّلا كما تقدّم بالقاهرة القصر الكبير الشرقي الذي قصر بشتاك من جملته ، وتجاهه القصر الغربيّ الذي الخرشتف من جملته ، فصار قصر بشتاك وقصر بيسرى وما بينهما من الشارع يقال له بين القصرين ، ومن لا علم له يظنّ إنما قيل لهذا الشارع بين القصرين لأجل قصر بيسرى وقصر بشتاك وليس هذا بصحيح ، وإنما قيل له بين القصرين قبل ذلك من حين بنيت القاهرة ، فإنه كان بين القصرين القصر الكبير الشرقيّ والقصر الصغير الغربيّ ، وقد تقدّم ذلك مشروحا مبينا . ولما أكمل بشتاك بناء هذا القصر والحوانيت التي في أسفله والخان المجاور له في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة لم يبارك له فيه ولا تمتع به ، وكان إذا نزل إليه ينقبض صدره ولا تنبسط نفسه ما دام فيه حتى يخرج منه ، فترك المجىء إليه فصار يتعاهده أحيانا فيعتريه ما تقدّم ذكره ، فكرهه وباعه لزوجة بكتمر الساقي وتداوله ورثتها إلى أن أخذه السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون ، فاستقرّ بيد أولاده إلى أن تحكم الأمير الوزير المشير جمال الدين الأستادار في مصر . أقام من شهد عند قاضي القضاة كمال الدين عمر بن العديم الحنفي بأن هذا القصر يضرّ بالجار والمار ، وأنه مستحق للإزالة والهدم كما عمل ذلك في غير موضع بالقاهرة ، فحكم له باستبداله وصار من جملة أملاكه ، فلما قتله الملك الناصر فرج بن برقوق استولى على سائر ما تركه وجعل هذا القصر فيما عينه للتربة التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر ، فاستمرّ في جملة أوقاف التربة المذكورة إلى أن قتل الملك الناصر بدمشق في حرب الأمير شيخ والأمير نوروز ، وقدم الأمير شيخ إلى مصر هو والخليفة المستعين بالله العباسي ابن محمد ، وقف له من بقي من أولاد جمال الدين وأقاربه ، وكان لأهل الدولة يومئذ بهم عناية قاضي القضاة صدر الدين عليّ بن الأدميّ الحنفيّ بارتجاع أملاك جمال الدين التي وقفها على ما كانت عليه ، فتسلمها أخوه وصار هذا القصر إليهم وهو الآن بيدهم . قصر الحجازية : هذا القصر بخط رحبة باب العيد بجوار المدرسة الحجازية ، كان يعرف أوّلا بقصر الزمرد في أيام الخلفاء الفاطميين ، من أجل أنّ باب القصر الذي كان يعرف