المقريزي

10

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

والطائفة المنعوتة بالوزيرية إلى الآن منسوبة إليه ، يعني الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس أبو الفرج . كان يهوديا من أهل بغداد ، فخرج منها إلى بلاد الشام ونزل بمدينة الرملة ، وأقام بها فصار فيها وكيلا للتجّار بها ، واجتمع في قبله مال عجز عن أدائه ، ففرّ إلى مصر في أيّام كافور الإخشيديّ ، فتعلّق بخدمته . ووثب إليه بالمتجر ، فباع إليه أمتعة أحيل بثمنها على ضياع مصر ، فكثر لذلك تردّده على الريف ، وعرف أخبار القرى ؛ وكان صاحب حيل ودهاء ومكر ومعرفة مع ذكاء مفرط وفطنة ، فمهر في معرفة الضياع حتّى كان إذا سئل عن أمر غلالها ومبلغ ارتفاعها وسائر أحوالها الظاهرة والباطنة أتى من ذلك بالغرض ، فكثرت أمواله واتسعت أحواله ، وأعجب به كافور لما خبر فيه من الفطنة وحسن السياسة فقال : لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا . فلمّا بلغه هذا عن كافور تاقت نفسه إلى الولاية وأحضر من علّمه شرائع الإسلام سرا ، فلمّا كان في شعبان سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة دخل إلى الجامع بمصر وصلّى صلاة الصبح ، وركب إلى كافور ومعه محمد بن عبد اللّه بن الخازن في خلق كثير ، فخلع عليه كافور ، ونزل إلى داره ومعه جمع كثير ، وركب إليه أهل الدولة يهنئونه ، ولم يتأخّر عن الحضور إليه أحد ، فغصّ بمكانه الوزير أبو الفضل جعفر « 1 » بن الفرات ، وقلق بسببه ، وأخذ في التدبير عليه ، ونصب الحبائل له حتّى خافه يعقوب ، فخرج من مصر فارّا منه يريد بلاد المغرب في شوّال سنة سبع وخمسين وثلاثمائة . وقد مات كافور ، فلحق بالمعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ ، فوقع منه موقعا حسنا ، وشاهد منه معرفة وتدبيرا ، فلم يزل في خدمته حتّى قدم من المغرب إلى القاهرة في شهر رمضان سنة اثنين وستّين وثلاثمائة ، فقلّده في رابع عشر المحرّم سنة ثلاث وستين وثلاثمائة الخراج وجميع وجوه الأموال والحسبة والسواحل والأعشار والجوالي « 2 » والأحباس والمواريث والشرطتين وجميع ما يضاف إلى ذلك وما يطرأ في مصر وسائر الأعمال . وأشرك معه في ذلك كله عسلوج بن الحسن ، وكتب لهما سجلا بذلك قرىء في يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون فقبضت أيدي سائر العمّال والمتضمّنين ، وجلس يعقوب وعسلوج في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال ، وحضر الناس للقبالات ، وطالبا بالبقايا من الأموال ممّا على الناس من المالكين والمتقبّلين والعمّال ، واستقصيا في الطلب ، ونظرا في المظالم ، فتوفّرت الأموال وزيد في الضياع ، وتزايد الناس وتكاشفوا ، أو امتنعا أن يأخذا إلا دينارا معزيا « 3 » ، فاتضّع الدينار الراضي « 4 » وانحطّ ونقص من صرفه أكثر من ربع

--> ( 1 ) في شذرات الذهب 3 / 135 : هو جعفر بن الفضل بن محمد بن موسى بن الفرات أبو الفضل ابن حنزابة البغدادي وزير الديار المصرية . . . توفي سنة 391 ه ودفن بدار في المدينة المنوّرة قرب قبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) الجوالي : الغرباء الذين هجروا بلادهم ونزلوا مصر - وتطلق على أهل الذمّة . / المنجد / ( 3 ) نسبة إلى المعزّ لدين اللّه الفاطمي . ( 4 ) نسبة إلى الخليفة العباسي الراضي بالله .