المقريزي

55

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وتضمنه كتابه هذا إليك ، ومر الكتاب قبلك أن يحتذوا رسمه فيما يكتبون به إلى عمال نواحيك ، ويخلدونه في الدواوين من ذكورهم ورفوعهم ، ويعدونه من خروج الأموال وينظمونه في الدواوين والأعمال ، ويثبتون عليه الجماعات والحسبانات ، ويوغرون بكتبه من الروزنامجات ، والبراءات وليكن المنسوب من ذلك إلى سنة خمسين وثلاثمائة التي وقع النقل إليها ، وأقم في نفوس من بحضرتك من أصناف الجند والرعية ، وأهل الملة والذمة أن هذا النقل لا يغير لهم رسما ، ولا يلحق بهم ثلما ، ولا يعود على قابضي العطاء بنقصان ما استحقوا قبضه ، ولا على مؤدّي حق بيت المال بإغضاء عما وجب أداؤه ، فإنّ قرائح أكثرهم فقيرة إلى إفهام أمير المؤمنين الذي آثر أن تزاح فيه العلة ، ويسدّ بهم سهم الخلة إذ كان هذا الشأن لا يتجدّد إلا في المدد الطوال التي في مثلها يحتاج إلى تعريف الناسي ، وأجب بما يكون منك جوابا يحسن موقعه لك إن شاء اللّه تعالى . وقال ابن المأمون في تاريخه : من حوادث سنة إحدى وخمسمائة ، وأوّل ما تحدّث فيه نقل السنة الشمسية إلى العربية ، وكان قد حصل بينهما تفاوت أربع سنين ، فتحدّث القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحيّ « 1 » مع الأفضل بن أمير الجيوش في ذلك ، فأجاب إليه ، وخرج أمره إلى الشيخ أبي القاسم بن الصيرفيّ بإنشاء سجل به . فأنشأ ما نسخته : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد للّه الذي ارتضى أمير المؤمنين أمينه في أرضه وخليفته ، وألهمه أن يعمّ بحسن التدبير عبيده وخليقته ، ووفقه لمصالح يستمدّ أسبابها ، ويفتح بحسن نظره أبوابها ، وأورثه مقام آبائه الراشدين الذين اختصهم بشرف المفخر ، وجعل اعتقاد موالاتهم سبب النجاة في المحشر ، وعناهم بقوله : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وأعلى منار سلطانه بمدبر أفلاكك دولته ، ومبيد أعداء مملكته ، وأشرف من نصب للجند علما وراية ، ووقف على مصلحة البرية نظره ورأيه ، وأرشد بهداتيه الألباب الحائرة ، وأذهب بمعدلته الأحكام الجائرة السيد الأجل الأفضل ، ونتمم النعوت بالدعاء للذي كمل تدبيره نظام الصلاح وتممه ، وسدّد تقريره الأمور في كل ما قصده ويممه ، ونبّه في السياسة على ما أهمله من سبقه ، وأغفله من تقدّمه ، وتتبع أحوال المملكة ، فلم يدع مشكلا إلا أوضحه وبين الواجب فيه ، ولا خللا إلا أصلحه ، وبادر بتلافيه ، ولا مهملا إلا استعمله على ما يوافق الصواب ، ولا ينافيه إيثارا لعمارة الأعمال ، وقصدا لما يقضي بتوفير الأموال . وتوخيا لما عاد بضروب الاستغلال ، واعتناء برجال الدولة العلوية وأجنادها ، واهتماما

--> ( 1 ) البطائحي : هو أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحي استوزره الحاكم بأمر اللّه بعد أن قتل وزيره الأفضل سنة 519 ه . ولكنه كان شديد الوطأة على الحاكم فقبض عليه ثم قتله سنة 523 ه . الأعشى ج 5 / 457 .