المقريزي

210

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ذكر ما صارت إليه القاهرة بعد استيلاء الدولة الأيوبية عليها قد تقدّم أن القاهرة إنما وضعت منزل سكنى للخليفة ، وحرمه ، وجنده ، وخواصه ، ومعقل قتال يتحصن بها ، ويلتجأ إليها ، وإنها ما برحت هكذا حتى كانت السنة العظمى في خلافة المستنصر ، ثم قدم أمير الجيوش بدر الجمالي ، وسكن القاهرة ، وهي يباب دائرة خاوية على عروشها غير عامرة ، فأباح للناس من العسكرية ، والملحية ، والأرمن ، وكل من وصلت قدرته إلى عمارة بأن يعمر ما شاء في القاهرة مما خلا من فسطاط مصر ، ومات أهله ، فأخذ الناس ما كان هناك من أنقاض الدور ، وغيرها ، وعمروا به المنازل في القاهرة ، وسكنوها فمن حينئذ سكنها أصحاب السلطان إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية باستيلاء السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي في سنة سبع وستين وخمسمائة . فنقلها عما كانت عليه من الصيانة ، وجعلها مبتذلة لسكن العامّة والجمهور ، وحط من مقدار قصور الخلافة ، وأسكن في بعضها ، وتهدّم البعض ، وأزيلت معالمه ، وتغيرت معاهده ، فصارت خططا وحارات ، وشوارع ومسالك ، وأزقة ، ونزل السلطان منها في دار الوزارة الكبرى حتى بنيت قلعة الجبل ، فكان السلطان صلاح الدين يتردّد إليها ، ويقيم بها ، وكذلك ابنه الملك العزيز عثمان ، وأخوه الملك العادل ، أبو بكر ، فلما كان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب تحوّل من دار الوزارة إلى القلعة ، وسكنها ونقل سوق الخيل والجمال والحمير إلى الرميلة تحت القلعة ، فلما خرب المشرق والعراق بهجوم عساكر التتر منذ كان جنكيزخان في أعوام بضع عشرة وستمائة إلى أن قتل الخليفة المستعصم ببغداد في صفر سنة ست وخمسين وستمائة ، كثر قدوم المشارقة إلى مصر ، وعمرت حافتي الخليج الكبير ، وما دار على بركة الفيل ، وعظمت عمارة الحسينية ، فلما كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون الثالثة بعد سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، واستجدّ بقلعة الجبل المباني الكثيرة من القصور وغيرها ، حدثت فيما بين القلعة وقبة النصر عدّة ترب بعد ما كان ذلك المكان فضاء يعرف : بالميدان الأسود وميدان القبق ، وتزايدت العمائر بالحسينية ، حتى صارت من الريدانية إلى باب الفتوح ، وعمر جميع ما حول بركة الفيل ، والصليبة إلى جامع ابن طولون ، وما جاوره إلى المشهد النفيسيّ ، وحكر الناس أرض الزهريّ ، وما قرب منها ، وهو من قناطر السباع إلى منشاة المهرانيّ ، ومن قناطر السباع إلى البركة الناصرية إلى اللوق إلى المقس ، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاون الخليج الناصريّ اتسعت الخطة فيما بين المقس ، والدكة إلى ساحل النيل ، وأنشأ الناس فيها البساتين العظيمة ، والمساكن الكثيرة ، والأسواق والجوامع والمساجد ، والحمامات والشون ، وهي من المواضع التي من باب البحر خارج المقس إلى ساحل النيل المسمى