المقريزي

190

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الحمالات ، فجاء الفاضل في القتلى لبني حسن عند بني جعفر نحو سبعين قتيلا ، فأدّوا عنهم وعقدوا بينهم الصلح في الحرم تجاه الكعبة ، وتحملوا عنهم الديات من مال المعز ، وكان ذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ، فصارت هذه الفعلة يدا عند بني حسن للمعز ، فلما ملك جوهر مصر : بادر حسن بن جعفر الحسنيّ بالدعاء للمعز في مكة ، وبعث إلى جوهر بالخبر ، فسير إلى المعز يعرّفه بإقامة الدعوة له بمكة ، فأنفذ إليه بتقليده الحرم وأعماله . وسار المعز بعساكره من المغرب حتى نزل بالجيزة فعقد له جوهر جسرا جديدا عند المختار بالجزيرة ، فسار عليه ، وقد زينت له مدينة الفسطاط ، فلم يشقها ودخل إلى القاهرة بجميع أولاده وإخوته وسائر أولاد عبيد اللّه المهديّ ، وبتوابيت آبائه ، وذلك لسبع خلون من رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ، فعندما دخل القصر صلى ركعتين ، فاقتدى به من حضر ، وبات به ثم أصبح فجلس للهناء ، وأمر فكتب في سائر مدينة مصر : خير الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وأثبت اسم المعز لدين اللّه ، واسم أبيه عبد اللّه الأمير ، وجلس في القصر على السرير الذهب ، وصلى بالناس صلاة عيد الفطر في المصلى ، فسبح في كل ركعة ، وفي كل سجدة ثلاثين تسبيحة ، ثم خطب بعد الصلاة ، وركب لفتح خليج مصر يوم الوفاء ، وعمل عيد غدير خم ، ومات بعض بني عمه ، فصلى عليه ، وكبر سبعا ، وكبر على ميت آخر خمسا ، وقدمت القرامطة إلى مصر ، فسير إليهم الجلوس وهزموهم ، وما زال إلى أن توفي من علة اعتلها بعد دخوله إلى القاهرة بسنتين وسبعة أشهر وعشرة أيام ، وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا ، فإنّ مولده بالمهدية في حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، ووفاته بالقاهرة لأربع عشرة خلت من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة ، وكانت مدّة خلافته بالمغرب ، وديار مصر ، ثلاثا وعشرون سنة وعشرة أيام ، وهو أوّل الخلفاء الفاطميين بمصر ، وإليه تنسب القاهرة المعزية لأنّ عبده جوهر القائد بناها حسب ما رسم له كما ذكر في خبر بنائها . وكان المعز عالما فاضلا جوادا حسن السيرة منصفا للرعية مغرما بالنجوم أقيمت له الدعوة بالمغرب كله وديار مصر والشام ، والحرمين ، وبعض أعمال العراق . وقام من بعده ابنه : العزيز بالله أبو منصور نزار ، فأقام في الخلافة إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا ، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما في الثامن والعشرين من رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة بمدينة بلبيس ، وحمل إلى القاهرة . وقام من بعده ابنه : الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور ، وكانت مدّة خلافته إلى أن فقد خمسا وعشرين سنة وشهرا ، وفقد وعمره ست وثلاثون سنة وسبعة أشهر في ليلة السابع والعشرين من شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة ، وقد بسطت خبر العزيز والحاكم عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب .