المقريزي

18

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

كتاب جليل القدر ، وهذا اشتقاق بعيد لولا أنّ الرواية جاءت به ، وقال قدامة بن جعفر في كتاب الخراج : تاريخ كل شيء آخره ، وهو في الوقت غايته ، يقال : فلان تاريخ قومه ، أي إليه ينتهي شرفهم ، ويقال : ورّخت الكتاب توريخا وأرخته تأريخا ، اللغة الأولى لتميم ، والثانية لقيس ، ولكل أهل ملة تاريخ ، فكانت الأمم تؤرخ أوّلا بتاريخ الخليقة ، وهو ابتداء كون النسل من آدم عليه السلام ، ثم أرخت بالطوفان ، وأرخت ببخت نصر ، وأرخت بفيلبس ، وأرخت بالإسكندر ، ثم بأغشطش ، ثم بأنطيس ، ثم بدقلطيانوس ، وبه تؤرخ القبط ، لم يكن بعد تاريخ القبط إلا تاريخ الهجرة ، ثم تاريخ يزدجرد ، فهذه تواريخ الأمم المشهورة ، وللناس تواريخ أخر قد انقطع ذكرها . فأما تاريخ الخليقة ، ويقال له : ابتداء كون النسل ، وبعضهم يقول : بدو التحرّك ، فإنّ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس في كيفيته ، وسياقة التاريخ منه خلافا كثيرا ، قال المجوس والفرس : عمر العالم اثنا عشر ألف عام على عدد بروج الفلك وشهور السنة ، وزعموا أنّ زرادشت صاحب شريعتهم قال : إن الماضي من الدنيا إلى وقت ظهوره ثلاثة آلاف ومائتا سنة وثمان وخمسون سنة ، وإذا حسبنا من أوّل يوم كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأوّل ، وجمعنا مدّة كل من ملك بعده ، فإنّ الملك ملصق فيهم غير منقطع عنهم ، كان العدد منه إلى الإسكندرية ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربعا وخمسين سنة ، فإذا لم يتفق التفصيل مع الجملة ، وقال قوم : الثلاثة الآلاف الماضية إنما هي من خلق كيومرت فإنه مضى قبله ألف سنة ، والفلك فيها واقف غير متحرّك ، والطبائع غير مستحيلة ، والأمّهات غير متمازجة ، والكون والفساد غير موجود فيها ، والأرض غير عامرة ، فلما تحرّك الفلك حدث الإنسان الأوّل في معدن النهار ، وتولد الحيوان وتوالد وتناسل الإنس فكثروا ، وامتزجت أجزاء العناصر للكون والفساد ، فعمرت الدنيا ، وانتظم العالم . وقال اليهود : الماضي من آدم إلى الإسكندرية ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمان وأربعون سنة . وقال النصارى : المدّة بينهما خمسة آلاف ومائة وثمانون سنة ، وزعموا أن اليهود نقصوها ، ليقع خروج عيسى ابن مريم عليه السلام في الألف الرابع وسط السبعة آلاف التي هي مقدار العالم عندهم ، حتى تخالف ذلك الوقت الذي سبقت البشارة من الأنبياء الذين كانوا بعد موسى بن عمران عليه السلام ، بولادة المسيح عيسى ، وإذا جمع ما في التوراة التي بيد اليهود من المدّة التي بين آدم عليه السلام ، وبين الطوفان ، كانت ألفا وستمائة وستا وخمسين سنة ، وعند النصارى في إنجيلهم ألفان ومائتا سنة واثنتان وأربعون سنة ، وتزعم اليهود أن توراتهم بعيدة عن التخاليط ، وتزعم النصارى : أن توراة السبعين التي هي بأيديهم لم يقع فيها تحريف ، ولا تبديل ، وتقول اليهود : فيها خلاف ذلك ، وتقول السامرية : بأنّ