المقريزي
17
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
شمال المشرق ، فيملكون الفرات والروم والشام ، وقال يعقوب بن إسحاق الكنديّ : مدّة ملة الإسلام ستمائة وثلاث وتسعون سنة . وقال الفقيه الحافظ أبو محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم « 1 » : وأما اختلاف الناس في التاريخ ، فإنّ اليهود يقولون : أربعة آلاف سنة ، والنصارى يقولون : الدنيا خمسة آلاف سنة ، وأما نحن يعني أهل الإسلام ، فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا ، ومن ادّعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقلّ فقد قال ما لم يأت قط عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه لفظة تصح ، بل صح عنه عليه السلام خلافه ، بل نقطع على أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، قال اللّه تعالى : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ الكهف / 51 ] ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود والشعرة السوداء في الثور الأبيض » . وهذه نسبة من تدبرها ، وعرف مقدار عدد أهل الإسلام ، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض ، وإنه الأكثر علم أن للدنيا أمدا لا يعلمه إلا اللّه تعالى ، وكذلك قوله عليه السلام : « بعثت أنا والساعة كهاتين » وضم أصبعيه المقدّستين السبابة والوسطى ، وقد جاء النص : بأن الساعة لا يعلم متى تكون إلا اللّه تعالى لا أحد سواه ، فصح أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إنما عني شدّة القرب لا فضل السبابة على السباحة إذ لو أراد ذلك لأخذت نسبة ما بين الإصبعين ، ونسب من طول الأصبع ، فكان يعلم بذلك متى تقوم الساعة ، وهذا باطل وأيضا فكان تكون نسبته صلّى اللّه عليه وسلّم إيانا من قبلنا بأننا كالشعرة في الثور كذبا ، ومعاذ اللّه من ذلك ، فصح أنه عليه السلام ، إنما أراد شدّة القرب ، وله صلّى اللّه عليه وسلّم منذ بعث أربعمائة عام ونيف ، واللّه تعالى أعلم بما بقي للدنيا ، فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عندما سلف لقتله ، وتفاهته بالإضافة إلى ما مضى ، فهو الذي قاله صلّى اللّه عليه وسلّم من أننا فيمن مضى كالشعرة في الثور أو الرقمة في ذراع الحمار . وقد رأيت بخط الأمير أبي محمد عبد اللّه بن الناصر قال : حدّثني محمد بن معاوية القرشيّ أنه رأى بالهند بلدا له اثنتان وسبعون ألف سنة ، وقد وجد محمود بن سبكتكين بالهند مدينة يؤرخون بأربعمائة ألف سنة ، قال أبو محمد : إلا أن لكل ذلك أوّلا ، ولا بدّ ونهاية لم يكن شيء من العالم موجودا قبله ، وللّه الأمر من قبل ومن بعد ، واللّه أعلم . ذكر التواريخ التي كانت للأمم قبل تاريخ القبط التاريخ : كلمة فارسية أصلها : ماروز ، ثم عرّب . قال محمد بن أحمد بن محمد بن يوسف البلخيّ في كتاب مفاتيح العلوم ، وهو
--> ( 1 ) عالم الأندلس بعصره وأحد أئمة الإسلام زهد في الوزارة وانصرف إلى التأليف ، قيل : إنه ألف أكثر من / : 40 / مجلد في مختلف أنواع العلوم . ولد سنة 384 ه وتوفي سنة 456 ه . الأعلام ج 4 / 254 .