المقريزي
169
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وقوف الصحابة رضوان اللّه عليهم في ساحته عند بنائه ، واستحسنت ما أبصرته فيه من حلق المصدّرين لإقراء القرآن والفقه والنحو في عدّة أماكن ، وسألت عن موارد أرزاقهم ، فأخبرت أنها من فروض الزكاة ، وما أشبه ذلك . ثم أخبرت أن اقتضاءها يصعب إلا بالجاه والتعب ، ثم انفصلنا من هنالك إلى ساحل النيل ، فرأيت ساحلا كدر التربة غير نظيف ، ولا متسع الساحة ، ولا مستقيم الاستطالة ، ولا عليه سور أبيض ، إلّا أنه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب ، وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار الأرض والنيل ، ولئن قلت إني لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك الساحل ، فإني أقول حقا والنيل هنا لك ضيق لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الديار المصرية الآن قلعته قد توسطت الماء ومالت إلى جهة الفسطاط ، وبحسن سورها المبيض الشامخ : حسن منظر الفرجة في ذلك الساحل ، وقد ذكر ابن حوقل « 1 » الجسر الذي يكون ممتدّا من الفسطاط إلى الجزيرة ، وهو غير طويل ، ومن الجانب الآخر إلى البرّ الغربيّ المعروف ببرّ الجيزة جسر آخر من الجزيرة إليه ، وأكثر جواز الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب لأن هذين الجسرين قد احترما بحصولهما في حيز قلعة السلطان ، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الجزيرة والفسطاط راكبا احتراما لموضع السلطان ، ويتنافى ليلة ذلك اليوم بطيارة « 2 » مرتفعة على جانب النيل فقلت : نزلنا من الفسطاط أحسن منزل * بحيث امتداد النيل قد دار كالعقد وقد جمعت فيه المراكب سحرة * كسرب قطا أضحى يزف على ورد وأصبح يطغى الموج فيه ويرتمي * ويطغو حنانا وهو يلعب بالنرد غدا ماؤه كالريق ممن أحبه * فمدّت عليه حلية من حلي الخدّ وقد كان مثل الزهر من قبل مدّة * فأصبح لما زاده المدّ كالورد قلت : هذا لأني لم أذق في المياه أحلى من مائه ، وأنه يكون قبل المدّ الذي يزي به ، ويفيض على أقطاره أبيض ، فإذا كان عباب النيل صار أحمر . وأنشدني علم الدين فخر الترك أيدمر عتيق وزير الجزيرة في مدح الفسطاط وأهلها : حبذا الفسطاط من والدة * جنبت أولادها درّ الجفا يرد النيل إليها كدرا * فإذا مازج أهليها صفا لطفوا فالمزن لا يألفهم * خجلا لما رآهم ألطفا ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط ، حتى أنهم ألطف من أهل القاهرة ، وبينهما نحو ميلين ، وجملة الحال أن أهل الفسطاط في نهاية من اللطافة واللين في الكلام ،
--> ( 1 ) ابن حوقل : محمد بن حوقل البغدادي الموصلي ، رحالة من علماء البلدان كان تاجرا . له كتاب ( المسالك والممالك ) توفي بعد 367 ه ، الأعلام ج 6 / 111 . ( 2 ) الطيارة نوع من المراكب الصغيرة .