المقريزي

134

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

فأمر بالدعاء لأبي أحمد الموفق ، وترك الدعاء عليه ، وجعل على المظالم بمصر : محمد بن عبدة بن حرب ، وبلغه مسير محمد بن أبي الساج إلى أعماله ، فخرج إليه في ذي القعدة ، ولقيه شيبة العقاب من دمشق ، فانهزم أصحاب خمارويه وثبت هو ، فحاربه حتى هزمه أقبح هزيمة ، وعاد إلى مصر فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ، ثم خرج إلى الإسكندرية لأربع خلون من شوّال ، وورد الخبر أنه دعي له بطرسوس في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين ، وخرج إلى الشام لسبع عشرة من ذي القعدة ، ومات الموفق في سنة ثمان وسبعين ، ثم مات المعتمد في رجب سنة تسع وسبعين ، وبويع المعتضد أبو العباس أحمد بن الموفق ، فبعث إليه خمارويه بالهدايا ، وقدم من الشام لست خلون من ربيع الأوّل سنة ثمانين ، فورد كتاب المعتضد بولاية خمارويه على مصر هو وولده ثلاثين سنة ، من الفرات إلى برقة ، وجعل له الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال ، على أن يحمل في كل عام مائتي ألف دينار عما مضى ، وثلاثمائة ألف للمستقبل ، ثم قدم رسول المعتضد بالخلع ، وهي اثنتا عشرة خلعة وسيف وتاج ووشاح مع خادم في رمضان ، وعقد المعتضد نكاح قطر الندى بنت خمارويه في سنة إحدى وثمانين ، وفيها خرج خمارويه إلى نزهته ببربوط في شعبان ، ومضى إلى الصعيد فبلغ سيوط ، ثم رجع من الشرق إلى الفسطاط أوّل ذي القعدة ، وخرج إلى الشام لثمان خلون من شعبان سنة اثنتين وثمانين ، فأقام بمنية الأصبغ ، ومنية مطر ، ثم رحل حتى أتى دمشق ، فقتل بها على فراشه ، ذبحه جواريه وخدمه ، وحمل في صندوق إلى مصر ، وكان لدخول تابوته يوم عظيم ، واستقبله جواريه ، وجواري غلمانه ، ونساء قوّاده ، ونساء القطائع بالصياح ، وما يصنع في المآتم ، وخرج الغلمان ، وقد حلوا أقبيتهم ، وفيهم من سوّد ثيابه وشققها ، وكانت في البلد ضجة عظيمة ، وصرخة تتعتع القلوب حتى دفن ، وكانت مدّته اثنتي عشرة سنة ، وثمانية عشر يوما . ثم ولي أبو العساكر بن خمارويه « 1 » بن أحمد بن طولون لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين بدمشق ، فسار إلى مصر ، واشتمل على أمور أنكرت عليه ، فاستوحش من عظماء الجند وتنكر لهم ، فخافوه ودأبوا في الفساد ، فخرج منتزها إلى منية الأصبغ ، ففرّ جماعة من عظماء الدولة إلى المعتضد ، وخلعه أحمد بن طغان ، وكان على الثغر ، وخلعه طغج بن جف بدمشق ، فوثب جيش على عمه مضر بن أحمد بن طولون فقتله ، فوثب عليه الجيش ، وخلعوه وجمعوا الفقهاء والقضاة ، فتبرّأ من بيعته وحللهم منها ، وكان خلعه لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ، فولي ستة أشهر واثني عشر يوما ، ومات في السجن بعد أيام .

--> ( 1 ) أمير مصر والشام وليهما بعد مقتل أبيه في دمشق سنة 282 وكان معه فعاد إلى مصر وغلب عليه اللهو وتقريب الأوباش فخلع وحبس ثم قتل سنة 283 ه . الأعلام ج 2 / 149 .