المقريزي
131
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فتلقاه عليّ بن مأجور ، وأقام له بها الدعوة ، فأقام بها حتى استوثق له أمرها ، ومضى إلى حمص فتسلمها ، وبعث إلى سيما الطويل ، وهو بأنطاكية يأمره بالدعاء له فأبى ، فسار إليه في جيش عظيم ، وحاصره ، ورماه بالمجانيق ، حتى دخلها في المحرّم سنة خمس وستين ، فقتل سيما ، واستباح أمواله ورجاله ، ومضى إلى طرسوس ، فدخلها في ربيع الأوّل ، فضاقت به ، وغلا السعر بها ، فنابذه أهلها ، فقاتلهم وأمر أصحابه أن ينهزموا عن أهل طرسوس ليبلغ طاغية الروم ، فيعلم أنّ جيوش ابن طولون مع كثرتها وشدّتها ، لم تقم لأهل طرسوس ، فانهزموا ، وخرج عنهم واستخلف عليها طخشي ، فورد الخبر عليه بأنّ ابنه العباس قد خالف عليه ، فأزعجه ذلك ، وسار فخاف العباس ، وقيد الواسطيّ ، وخرج بطائفته إلى الجيزة لثمان خلون من شعبان سنة خمس وستين ومائتين ، فعسكر بها ، واستخلف أخاه ربيعة بن أحمد ، وأظهر أنه يريد الإسكندرية ، وسار إلى برقة ، فقدم أحمد بن طولون من الشام لأربع خلون من رمضان ، لأنفذ القاضي بكار بن قتيبة في نفر بكتابه إلى العباس ، فساروا إليه ببرقة ، فأبى أن يرجع ، وعاد بكار في أوّل ذي الحجة ، ومضى العباس يريد إفريقية في جمادى الأولى سنة ست وستين ، فنهب لبدة « 1 » ، وقتل من أهلها عدّة ، وضجت نساؤهم ، فاجتمع عليه : جيش ابن الأغلب والإباضية ، فقاتلهم بنفسه ، وحسن بلاؤه يومئذ وقال : للّه درّي إذ أعدوا على فرسي * إلى الهياج ونار الحرب تستعر وفي يدي صارم أفري الرؤوس به * في حدّه الموت لا يبقي ولا يذر إن كنت سائلة عني وعن خبري * فها أنا الليث والصمصامة الذكر من آل طولون أصلي إن سألت فما * فوقي لمفتخر بالجود مفتخر لو كنت شاهدة كرّي بلبدة إذ * بالسيف أضرب والهامات تبتذر إذا لعاينت مني ما تبادره * عني الأحاديث والأنباء والخبر وقتل يومئذ صناديد عسكره ، ووجوه أصحابه ، ونهبت أمواله ، وفرّ إلى برقة في ضرّ . وعقد أحمد بن طولون على جيش ، وبعث به إلى برقة في رمضان سنة سبع وستين ، ثم خرج بنفسه في عسكر عظيم يقال : إنه بلغ مائة ألف لثنتي عشر خلت من ربيع الأوّل سنة ثمان وستين ، فأقام بالإسكندرية ، وفرّ إليه أحمد بن محمد الواسطيّ من عند العباس ، فصغر عنده أمر العباس ، فعقد على جيش سيّره إلى برقة ، فواقعوا أصحاب العباس وهزموهم ، وقتلوا منهم كثيرا ، وأدركوا العباس لأربع خلون من رجب وعاد أحمد إلى الفسطاط لثلاث عشرة خلت منه ، وقدم العباس والأسرى في شوّال ، ثم أخرجوا أوّل ذي
--> ( 1 ) لبدة : مدينة بين برقة وإفريقية وهي حصن قديم . معجم البلدان ج 5 / 10 .