المقريزي
13
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
طوال لا يفهم كلامهم ، ومنها أمّة مدوّرة الوجوه لهم شعور بيض ، وأذناب كأذناب البقر ورؤوسهم في صدورهم لهم شعور وثديّ ، وهم أناس كلهنّ ليس فيهنّ ذكر يلقحن من الريح ، ويلدن أمثالهنّ ، ولهنّ أصوات مطربة يجتمع إليهنّ كثير من هذه الأمم لحسن أصواتهنّ ، ومنها أمّة على خلق بني آدم سود وجوههم ، ورؤوسهم كرؤوس الغربان ، ومنها أمّة في خلق الهوام والحشرات إلا أنها عظيمة الأجسام تأكل ، وتشرب مثل الأنعام ، ومنها أمّة كوجوه دواب البحر لها أنياب كأنياب الخنازير ، وآذان طوال ، ويقال : إنّ هذه الثمانية والعشرين أمّة تناكحت ، فصارت مائة وعشرين أمّة . وسئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : هل كان في الأرض خلق قبل آدم يعبدون اللّه تعالى ؟ فقال : نعم خلق اللّه الأرض ، وخلق فيها الجنّ يسبحون اللّه ويقدّسونه لا يفترون ، وكانوا يطيرون إلى السماء ، ويلقون الملائكة ، ويسلمون عليهم ويستعملون منهم خبر ما في السماء ، ثم إنّ طائفة منهم تمرّدت ، وعتت عن أمر ربها ، وبغت في الأرض بغير الحق ، وعدا بعضهم على بعض ، وجحدوا الربوبية ، وكفروا بالله ، وعبدوا ما سواه ، وتغايروا على الملك حتى سفكوا الدماء ، وأظهروا في الأرض الفساد ، وكثر تقاتلهم ، وعلا بعضهم على بعض ، وأقام المطيعون للّه تعالى على دينهم ، وكان إبليس من الطائفة المطيعة للّه والمسبحين له ، وكان يصعد إلى السماء ، فلا يحجب عنها لحسن طاعته . ويروى : أنّ الجنّ كانت تفترق على إحدى وعشرين قبيلة ، وأنّ بعد خمسة آلاف سنة ملكوا عليهم ملكا يقال له : شملال بن ارس ، ثم افترقوا فملكوا عليهم : خمسة ملوك ، وأقاموا على ذلك دهرا طويلا ، ثم أغار بعضهم على بعض ، وتحاسدوا ، فكانت بينهم وقائع كثيرة ، فأهبط اللّه تعالى إليهم إبليس ، وكان اسمه بالعربية : الحارث ، وكنيته أبو مرّة ، ومعه عدد كثير من الملائكة ، فهزمهم وقتلهم ، وصار إبليس ملكا على وجه الأرض ، فتكبر وطغى ، وكان من امتناعه من السجود لآدم ما كان ، فأهبطه اللّه تعالى إلى الأرض ، فسكن البحر ، وجعل عرشه على الماء ، فألقيت عليه شهوة الجماع ، وجعل لقاحه لقاح الطير وبيضه . ويقال : إنّ قبائل الجنّ من الشياطين خمس وثلاثون قبيلة ، خمس عشرة قبيلة تطير في الهواء وعشر قبائل مع لهب النار ، وثلاثون قبيلة يسترقون السمع من السماء ، ولكل قبيلة ملك موكل بدفع شرّها ، ومنهم صنف من السعالي « 1 » يتصوّرون في صور النساء الحسان ، ويتزوّجن برجال الأنس ويلدن منهم ، ومنهم صنف على صور الحيات إذا قتل أحد منهم واحدة هلك من وقته ، فإن كانت صغيرة هلك ولده أو عزيز عنده . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : إنّ الكلاب من الجنّ فإذا رأوكم تأكلون ،
--> ( 1 ) السعالي : ج . سعلاة وهي الغول أو ساحرة الجن .