المقريزي
99
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
قال : وكان الوليد بن دومع العمليقي ، قد خرج في جيش كثيف يتنقل في البلدان ، ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها . فلما صار إلى الشام انتهى إليه خبر مصر ، وعظم قدرها وإن أمرها قد صار إلى النساء ، وباد ملوكها . فوجه غلاما له يقال له : عون إلى مصر ، وسار إليها بعده ، واستباح أهلها وأخذ الأموال ، وقتل جماعة من كهنتها ، ثم سنح له أن يخرج ليقف على مصب النيل . فيعرف ما بحافتيه من الأمم فأقام ثلاث سنين يستعدّ لخروجه وخرج في جيش عظيم فلم يمرّ بأمّة إلا أبادها ، ومرّ على أمم السودان ، وجاوزهم ومرّ على أرض الذهب ، فرأى فيها قضبانا نابتة من ذهب ، ولم يزل يسير حتى بلغ البطيحة التي ينصب ماء النيل فيها من الأنهار التي تخرج من تحت جبل القمر . وسار حتى بلغ البطيحة هيكل الشمس ، وتجاوزه حتى بلغ جبل القمر ، وهو جبل عال وإنما سمي : جبل القمر لأنّ القمر لا يطلع عليه لأنه خارج من تحت خط الاستواء ، ونظر إلى النيل يخرج من تحته فيمرّ في طريق وأنهار دقاق حتى ينتهي إلى حظيرتين ، ثم يخرج منهما في نهرين حتى ينتهي إلى حظيرة أخرى ، فإذا جاوز خط الاستواء مدّته عين تخرج من ناحية نهر مكران بالهند ؛ وتلك العين أيضا تخرج من تحت جبل القمر إلى ذلك الوجه . ويقال : إن نهر مكران ، مثل النيل يزيد وينقص ، وفيه التماسيح والأسماك التي مثل أسماك النيل . ووجد الوليد بن دومع : القصر الذي فيه التماثيل النحاس التي عملها هرمس الأوّل في وقت البودشير بن قنطريم بن قبطيم ابن مصرايم . وقد ذكر قوم من أهل الأثر أن الأنهار الأربعة تخرج من أصل واحد من قبة في أرض الذهب التي من وراء البحر المظلم وهي سيحون ، وجيحون ، والفرات ، والنيل . وأن تلك الأرض من أرض الجنة . وأن تلك القبة من زبرجد ، وأنها قبل أن تسلك البحر المظلم أحلى من العسل وأطيب رائحة من الكافور . وممن جاء بهذا رجل من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام وصل إلى تلك القبة ؛ وقطع البحر المظلم وكان يقال له : حايد ، وقال آخرون : تنقسم هذه الأنهار على اثنين وسبعين قسما حذاء اثنين وسبعين لسانا للأمم . وقال آخرون : هذه الأنهار من ثلوج تتكاثف ويذيبها الحرّ ، فتسيل إلى هذه الأنهار وتسقي من عليها لما يريد اللّه عز وجل من تدبير خلقه قالوا : ولما بلغ الوليد جبل القمر ، رأى جبلا عاليا ؛ فعمل حيلة إلى أن صعد إليه ليرى ما خلفه ، فأشرف على البحر الأسود الزفتي المنتن ، ونظر إلى النيل يجري عليه كالأنهار الدقاق . فأتته من ذلك البحر روائح منتنة هلك كثير من أصحابه من أجلها ، فأسرع النزول بعد أن كاد يهلك . وذكر قوم : أنهم لم يروا هناك شمسا ولا قمرا إلا نورا أحمر كنور الشمس عند غيابها . وأما ما ذكر عن حايد وقطعه البحر المظلم ماشيا عليه لا يلصق بقدمه منه شيء ؛ وكان فيما يذكر نبيا وأوتي حكمة وأنه سأل اللّه تعالى : أن يريه منتهى النيل ، فأعطاه قوّة على ذلك