المقريزي
73
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
إليك ، ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك ، فاعملي لنا شيئا نغلب به من حولنا . فقد كان فرعون يحتاج إليك ، فكيف وقد ذهب أكابرنا ، يعني في الغرق مع فرعون موسى وبقي أقلنا ، فعملت بربا من حجارة في وسط مدينة منف ، وجعلت لها أربعة أبواب كل باب منها إلى جهة القبلة ، والبحر والغرب والشرق ، وصوّرت فيه صور الخيل ، والبغال والحمير والسفن والرجال ، وقالت لهم : قد عملت لكم عملا يهلك به كل من أرادكم من كل جهة تؤتون منها برّا أو بحرا ، وهذا يغنيكم عن الحصن ، ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كل جهة فإنهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجالة ، تحركت هذه الصور من جهتهم التي يأتون منها فما فعلتم بالصور من شيء أصابهم ذلك في أنفسهم على ما تفعلون بهم . فلما بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صار إلى ولاية النساء ، طمعوا فيهم ، وتوجهوا إليهم ، فلما دنوا من عمل مصر تحرّكت تلك الصور التي في البربا فطفقوا لا يهيجون تلك الصور بشيء ، ولا يفعلون بها شيئا إلا أصاب ذلك الجيش الذي كان أقبل إليهم مثله إن كان خيلا . فما فعلوا بتلك الخيل المصوّرة في البربا من قطع رؤوسها أو سوقها أو فقء عيونها أو بقر بطونها أثر مثل ذلك بالخيل التي أرادتهم ، وإن كانت سفنا أو رجالة ، فمثل ذلك وكانوا أعلم الناس بالسحر ، وأقواهم عليه وانتشر ذلك فتبادرهم الناس ، وكان نساء أهل مصر حين غرق فرعون وقومه ، ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال . فطفقت المرأة تعتق عبدها ، وتتزوّجه وتتزوّج الأخرى أجيرها ، وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئا إلا بإذنهنّ ، فأجابوهنّ في ذلك فكان أمر النساء على الرجال . قال يزيد بن حبيب : إنّ نساء القبط على ذلك إلى اليوم اتباعا لمن مضى منهم . لا يبيع أحد منهم ، ولا يشتري إلا قال : استأمر امرأتي فملكتهم دلوكة بنت زبا عشرين سنة . تدبر أمرهم بمصر حتى بلغ صبيّ من أبناء أكابرهم ، وأشرافهم يقال له : دركون بن بلوطس ، فملكوه عليهم فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة . وكلما انهدم من ذلك البربا الذي صوّر فيه الصور لم يقدر أحد على إصلاحه إلا تلك العجوز ، وولدها وولد ولدها ، وكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم فانقطع أهل ذلك البيت ، وانهدم من البربا موضع في زمان لقاس بن مرنيوس . فلم يقدر أحد على إصلاحه ، ومعرفة علمه وبقي على حاله وانقطع ما كان يقهرون به الناس . وبقوا كغيرهم إلا أنّ الجمع كثير والمال عندهم . فلما قدم بخت نصر بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل ، وسباهم ، وخرج بهم إلى أرض بابل قصد مصر ، وخرب مدائنها ، وقراها ، وسبى جميع أهلها ولم يترك بها شيئا ، حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن يجري نيلها ويذهب لا ينتفع به ثم ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة ، فعمروها ولم تزل مقهورة من يومئذ .