المقريزي
52
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [ الشعراء / 34 - 37 ] ، وأين هذا من قول أصحاب النمرود في إبراهيم صلوات اللّه عليه ، حيث أشاروا بقتله قال تعالى حكاية عنهم : قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ [ الأنبياء / 68 ] ومن أهل مصر ، امرأة فرعون التي مدحها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ التحريم / 11 ] ومن أهلها ، ماشطة بنت فرعون وآمنت بموسى عليه السلام ، فمشطها فرعون بأمشاط الحديد كما يمشط الكتان ، وهي ثابتة على إيمانها بالله . وقال صاعد اللغوي « 1 » في كتاب طبقات الأمم : إن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأوّل الساكن بصعيد مصر الأعلى ، وهو أوّل من تكلم في الجواهر العلوية ، والحركات النجومية ، وهو أوّل من ابتنى الهياكل ، ومجد اللّه فيها ، وأوّل من نظر في علم الطب ، وألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء الأرضية والسماوية ، وقالوا : إنه أوّل من أنذر بالطوفان ، ورأى أن آفة سماوية تصيب الأرض من الماء ، والنار فخاف ذهاب العلم ، واندراس الصنائع فبنى الأهرام ، والبرابي « 2 » التي في صعيد مصر الأعلى ، وصوّر فيها جميع الصنائع ، والآلات ورسم فيها صفات العلوم حرصا على تخليدها لمن بعده ، وخيفة أن يذهب رسمها من العالم ، وهرمس هذا هو : إدريس عليه السلام . وقال أبو محمد الحسن بن إسماعيل بن الفرات في أخبار مصر : إن الخضر جاز البحر مع موسى عليه السلام ، وكان مقدّما عنده ، وكان بمصر من الحكماء جماعة ممن عمرت الدنيا بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم ، وكان من علومهم علم الطب ، وعلم النجوم ، وعلم المساحة ، وعلم الهندسة ، وعلم الكيمياء ، وعلم الطلسمات ، ويقال : كانت مصر في الزمن الأوّل يسير إليها طلاب العلوم لتزكو عقولهم ، وتجود أذهانهم ويتميز عندهم الذكاء وتدق الفطنة . ومن فضائل مصر : أنها تمير أهل الحرمين وتوسع عليهم ومصر فرضة الدنيا يحمل خيرها إلى ما سواها ، فساحلها بمدينة القلزم يحمل منه إلى الحرمين واليمن والهند والصين وعمان والسند والشحر ، وساحلها من جهة تنيس ودمياط والفرما فرضة بلاد الروم ،
--> ( 1 ) هو أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن الأندلسي مؤرخ بحاث أصله من قرطبة . له مؤلفات عديدة منها : ( جوامع أخبار الأمم ) و ( تاريخ الإسلام ) و ( طبقات الأمم ) توفي سنة 462 ه . الأعلام ج 3 / 186 . ( 2 ) البرابي : جمع بربا أو برباة هو اسم أطلقه المصريون القدماء على جميع المعابد والآثار القديمة ويقال : إن بربا كلمة قبطية اسم للبناء المحكم القديم أو بيت الحكمة وكان يستعمل موضعا للسحر . النجوم الزاهرة ج 1 / 49 .