المقريزي
454
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
بلدا ، وإني لم أصب لها إلا الجوبة ، وذلك إنه بلد بعيد قريب لا يرى بوجه من الوجوه إلا من غابة أو صحراء ، وكذلك ليست هي تؤتى من ناحية من النواحي من مصر إلا من مفازة وصحراء ، فالفيوم وسط مصر كمثل مصر في وسط البلاد ، لأنّ مصر لا تؤتى من ناحية من النواحي إلّا من صحراء أو مفازة قال : وقد اقتطعتها إياها ، فلا تتركن وجها ، ولا نظرا إلا بلغته ، فقال يوسف : نعم أيها الملك ، متى أردت ذلك فابعث إليّ ، فإني إن شاء اللّه فاعل ذلك ، قال : إنّ أحبه إليّ وأرفعه ، وأعجله ، فأوحى إلى يوسف ، أن تحفر ثلاثة خلج ، خليجا من أعلى الصعيد من موضع كذا إلى موضع كذا ، وخليجا شرقيا من موضع كذا إلى موضع كذا ، وخليجا غريبا من موضع كذا إلى موضع كذا . فوضع يوسف العمال ، فحفر خليج المنهى من أعلى أشمون « 1 » إلى اللاهون « 2 » ، وأمر البنائين أن يحفروا اللاهون ، وحفر خليج الفيوم ، وهو الخليج الشرقيّ ، وحفر خليجا بقرية يقال لها : بنهمت ، من قرى الفيوم ، وهو الخليج الغربيّ ، فخرج ماؤها من الخليج الشرقيّ ، فصب في النيل وخرج من الخليج الغربيّ ، فصب في صحراء بنهمت إلى الغرب ، فلم يبق في الجوبة ماء ، ثم أدخلها الفعلة ، فقطع ما كان فيها من القصب والطرفاء ، وأخرجه منها ، وكان ذلك ابتداء جري النيل ، وقد صارت أرض الجوبة نقية برية ، وارتفع ماء النيل ، فدخل في رأس المنهي ، فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاهون ، فقطعه إلى الفيوم ، فدخل خليجها فسقاها ، فصارت لجة من النيل ، وخرج إليها الملك ووزراؤه وكان هذا كله في سبعين يوما . فلما نظر إليها الملك قال لوزرائه : أولئك هذا عمل ألف يوم ، فسميت : الفيوم ، وأقامت تزرع كما تزرع غوائط مصر . قال : وقد سمعت في استخراج الفيوم غير هذا ، أنّ يوسف عليه السلام ملك مصر ، وهو ابن ثلاثين ، فأقام يدبرها أربعين سنة ، فقال أهل مصر : قد كبر يوسف واختلف رأيه ، فعزلوه وقالوا : اختر لنفسك من الموات أرضا تقطعها لنفسك ، وتصلحها وتعمل رأيك فيها ، فإن رأينا من رأيك وحسن تدبيرك ما نعلم أنك في زيادة من عقلك رددناك إلى ملكك ، فاعترض البريّة في نواحي مصر ، فاختار موضع الفيوم ، فأعطيها فشق إليها خليج المنهي من النيل ، حتى أدخله الفيوم كلها ، وفرغ من حفر ذلك كله في سنة . قال يزيد بن أبي حبيب : وبلغنا أنه إنما عمل ذلك بالوحي وقوي على ذلك بكثرة
--> ( 1 ) أشمون : مدينة قديمة أزلية عامرة وأهل مصر يقولون عنها الأشمونين وهي قصبة من كور الصعيد الأدنى غربي النيل . معجم البلدان ج 1 / 200 . ( 2 ) اللّاهون : بلد بصعيد مصر به مسجد يوسف الصديق والسّكر الذي بناه لرد الماء إلى الفيوم . معجم البلدان ج 5 / 9 .