المقريزي

452

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

السدير « 1 » إلى أن مات ، فحمل إلى قرية إبراهيم عليه السلام ودفن عنده . ويقال : إنّ نهراوش الملك آمن ، وكتم إيمانه خوفا من فساد أمره ، وأقام ملكا مائة وعشرين سنة . وفي وقته عمل يوسف الفيوم ، فإنّ أهل مصر كانوا وشوا به إلى الملك ، وقالوا : قد كبر ونقص نفعه ، فاختبره فقال له : إني وهبت هذه الناحية لابنتي ، وكانت مغايض للماء ، فدبرها لها ، فعملها يوسف ، واحتال للمياه حتى أخرجها ، وقلع أو حالها وساق المنهي ، وبنى اللاهون ، وجعل الماء فيها مقسوما موزونا ، وفرغ منها في شهور أربعة ، فعجبوا من حكمته . ويقال : إنه أول من هندس بمصر ، ومات نهراوش : فخلف ابنه در مجوش وسمته أهل الأثر : دارم بن الريان ، وهو الفرعون الرابع عندهم ، فحالف سنة أبيه ، وكان يوسف خليفته ، فقبل منه بعضا وخالفه في البعض ، فمات يوسف في أيامه ، وله مائة وعشرون سنة ، فكفن وجعل في تابوت من رخام ، ودفن في الجانب الغربيّ ، فأخصب ونقص الشرقيّ ، فحوّل إليه ، فأخصب ونقص الغربيّ ، فاتفقوا على أن يجعلوه في الشرقيّ عاما وفي الغربيّ عاما ، ثم حدث لهم من الرأي أن يجعلوا له حلقا وثاقا ، ويشدّوا التابوت في وسط النيل ، فأخصب الجانبان كلاهما . وقال ابن عبد الحكم : فملكهم الريان بن الوليد بن دومع ، وهو صاحب يوسف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رأى الملك رؤياه التي رأى ، وعبره يوسف أرسل إليه الملك ، فأخرجه من السجن . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : فأتاه الرسول ، فقال : ألق عنك ثياب السجن ، والبس ثيابا جددا ، وقم إلى الملك ، فدعا له أهل السجن ، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلما أتاه رأى غلاما حدثا ، فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا تعلمها السحرة والكهنة ؟ وأقعده قدّامه ، وقال له : لا تخف ، قال : فلما استنطقه ، وسأله عظم في عينيه ، وجعل إليه أمره فدفع إليه خاتمه ، وولاه ما خلف بابه وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير ، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك ، وضرب بالطبل بمصر : إنّ يوسف خليفة الملك . وعن عكرمة : أن فرعون قال ليوسف : قد سلطنتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيك بأربع أصابع ، قال يوسف : نعم وأجلسه على السرير ، ودخل الملك بيته مع نسائه ، وفوّض أمر مصر كلها إليه ، فبسبب عبارة رؤيا الملك ملك يوسف مصر .

--> ( 1 ) وادي السدير : هو أول ما يلقى القاصد من الشام إلى مصر وهو مستنقع الماء وغيضه في أرض مصر بين العباسية والخشبي تنصب فيه فضلات النيل . معجم البلدان ج 3 / 202 .