المقريزي
450
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
طوق منظوم بذهب مشدّد بجوهر أحمر ودرّ فاخر ، وفي وسطه منطقة ذهب فيها لوالب جوهر ملوّن ، ولها معاليق منظومة ، وألبسنه خفين أبيضين منقوشين بأخضر على نقوش ذهب ، وجعلن للقباء الذي عليه وشاحين وإفراور يحيط بأسفله وكميه من جوهر أخضر ، وعقرين صدغيه على خديه ، وكحلن عينيه ، ودفعن إليه مذبة شعرها أخضر . فلما فرغ النساء من طعامهنّ ، وشربن أقداحا قدّمت إليهنّ سكاكين قبضهنّ من جوهر ليقطعن بها الفاكهة ، فيقال : إنهنّ أخذن أترجا ، وهنّ يقطعنه إذ قالت لهنّ : قد بلغني حديثكنّ في أمري مع عبدي ، فقلن لها : الأمر كما بلغك لأنك أعلى قدرا من هذا ، ومثلك يرتفع عن أولاد الملوك لحسنك وشرفك ، فكيف ترضين بغلامك ؟ فقالت : لم يبلغكنّ الصدق ، ولا هو عندي بهذا ، وأو مأت إلى المواشط أن يخرجن يوسف ، فرفعن الستور عن المجلس الذي يحاذي مجلسها ، وبرز منه يوسف محاذيا بوجهه الشمس ، فأشرق المجلس ، وما فيه من وجه يوسف ، وأقبل بالمذبة ، وهنّ يرمقنه . فوقف على رأس زليخا يذب عنها ، فاشتغل النساء برؤيته ، وجعلن يقطعن أيديهنّ موضع الفاكهة التي كانت معهنّ ، ولا يعين الكلام ذهولا منهنّ بما رأين من حسن يوسف ! فقالت لهنّ زليخا ما لكنّ قد اشتغلتن عن خطابي بالنظر إلى عبدي ؟ فقلن : معاذ اللّه ما هذا عبدك ؟ إن هذا إلّا ملك كريم ، ولم يبق منهنّ امرأة إلا حاضت ، وأنزلت شهوة من محبته « 1 » ، فقالت زليخا عند ذلك : فهذا الذي لمتني فيه ، فقلن : ما ينبغي لأحد أن يلومك في هذا ، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه ، قالت : قد فعلت ، فأبى عليّ ، فخاطبنه لي . فكانت كل واحدة منهنّ تخاطبه وتدعوه سرّا إلى نفسها ، وتبتذل له ، وهو يمتنع عليها فإذا يئست منه أن يجيبها لنفسها خاطبته من جهة زليخا ، وقالت : مولاتك تحبك وأنت تكرهها ، ما ينبغي أن تخالفها ، فقال : ما لي بذلك حاجة ، فلما رأين ذلك أجمعن على أخذه غصبا ، فقالت زليخا : لا يجوز هذا لكنه إن لم يفعل لأمنعنه اللذات ولأسجننه وأنتزع جميع ما أعطيته ، فقال يوسف : رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ، فأقسمت بإلهها وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد إنه إن لم يفعل لتعجلن له ذلك . ثم أمرت بنزع ثيابه ، وألبسته الصوف ، وسألت العزيز حبسه ليزول ما قذفها به ، فأمر به فحبس ، ورأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه ، فقال له : إن فلانا وفلانا قد عزما على قتلك يريد صاحبي طعامه وشرابه ، فلما أصبح قرّرهما فاعترفا له ، وقيل : اعترف أحدهما ، وأنكر الآخر فأمر بحبسهما ، وكان اسم صاحب الطعم رأسان ، واسم صاحب الشراب مرطس ،
--> ( 1 ) ورد في الجزء الأول من الكامل في التاريخ لابن الأثير : عند ورود مثل هذه الأخبار عن سيدنا يوسف عليه السلام يجب النظر والتوقف عند كل خبر أو رواية لم يرد بها نص مؤكد وصحيح من القرآن والسنة . لأن المصدر الوحيد لتلك الروايات وتفصيلاتها هو التوراة ولا تخلو من تحريف .